"وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا"
(الكهف:45) .
فكان المقام - هنا - مقام تصوير لحال الدنيا في سرعة إقبالها، وإدبارها اقتضاه سياق الآيات، وهو أشبه بحال الصاحب الكافر، الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله:
"وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا" (الكهف:35 - 36)
فهذا الكافر المعجَب بما أوتي من نعيم الدنيا، المفتخِر به، يقسِم لصاحبه، إن رُدَّ إلى ربه - على سبيل الفرض والتقدير - ليَجدَنًّ في الآخرة خيرًا من جنته .. وهكذا أصابه الغرور في مقتله، فأصبح، لمَّا أحيط بثمره ..
"يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا" (الكهف:42) .
هذا الانقلاب السريع، من حال إلى حال بهذه السرعة، لا يناسبه إلا بناءُ التشبيه - في هذا المثل، الذي أعقبه - على طيِّ مراحل نمو النبات وزهائه واخضراره؛ ولهذا قال سبحانه:
"فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ"
فأتى بالفاء العاطفة، التي تشعِر بهلاك النبات وانتهائه إلى تلك الصفة؛ وهي كونه هشيمًا، تذروه الرياح.
2 -وثاني الفروق بين المثلين: أن الله تعالى قال في هذا المثل:
"فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ"
فقيَّد الخبر بـ"أَصْبَحَ"؛ ليدلَّ به على سرعة هلاك النبات، وتحوله من حالة جيدة، كان عليها في المساء إلى حالة سيئة، أصبح عليها القوم في الصباح،"فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ" (الصافات: 177) .