بعد أن ذكر الله تعالى قصة أصحاب الكهف التي يجهلها كثير من الناس لكونها من المغيبات، مما يدل على أن القرآن وحي من عند الله تعالى، أمر تعالى رسوله والمؤمنين ببعض الأوامر: وهي المواظبة على تلاوة القرآن، وملازمة مجالس أصحابه الفقراء الذين يتدارسون القرآن، وإظهار أن القرآن وكلّ حق هو من عند الله تعالى.
ثم ذكر تعالى جزاء الكافرين وعقابهم الأليم، وثواب المتقين ونعيمهم الدائم، جزاء كلّ بما يستحق.
التفسير والبيان:
وَاتْلُ ما أُوحِيَ .. يأمر الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذه الآية بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس، قائلا له: واتل الكتاب الموحى به إليك، واتبع ما جاء فيه من أمر ونهي، فإنه لا مغيّر لكلمات ربك من وعد الطائعين ووعيد للعصاة، ولا محرف ولا مزيل لها، فإن لم تعمل به، فوقعت في الوعيد، فلن تجد ملجأ ولا وليّا ناصرا من دون الله تعالى.
هذا هو التوجيه الأول: تلاوة القرآن والعمل بمقتضاه، والتوجيه الثاني هو مجالسة الفقراء والمستضعفين فقال تعالى:
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ .. أي جالس الذين يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه ويدعونه في الغداة (صباحا) والعشي (مساء) أي في كل وقت، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، يريدون وجهه (أي طاعته) ورضاه.
يقال كما بينا: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن
يجلس معهم وحده، من غير وجود أصحابه الفقراء أو الضعفاء، كبلال، وعمار، وصهيب، وخبّاب، وابن مسعود، وليفردوهم في مجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يصبر ويثبّت نفسه في الجلوس مع هؤلاء، ونظير الآية قوله:
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام 6/ 52] . وهذا شبيه بقول قوم نوح عليه السلام: أَنُؤْمِنُ لَكَ، وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء 26/ 111] .
وأكد تعالى الأمر السابق بقوله: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ .. أي ولا تجاوز بصرك ونفسك إلى غيرهم، فتطلب بدلهم أصحاب الثروة والنفوذ، والمقصود النهي عن احتقارهم لسوء حالهم وفقرهم،