قوله: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} أي نزلوه وسكنوه. وحاصل قصتهم كما قال محمد بن إسحاق: لما طغى أهل الإنجيل، وكثرت فيهم الخطايا، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا لها، وبقي فيهم من هو على دين عيسى، مستمسكين بعبادة الله وتوحيده، وكان بالروم ملك يقال له دقيانوس، عبد الأصنام، وذبح للطواغيت، وكان يحمل الناس على ذلك، ويقتل من خالفه، فمر بمدينة أصحاب الكهف، وهي مدينة من الروم يقال لها أفسوس، واسمها عند العرب طرطوس، فاستخفى منه أهل الإيمان، فصار يرسل أعوانه، فيفتشون عليهم ويحضرونهم له، فيأمرهم بعبادة الأصنام، ويقتل من يخالفه، فلما عظمت هذه الفتنة، وراى الفتية ذلك، حزنوا حزناً شديداً، وكانوا من أشراف الروم، وهم ثمانية، وكانوا على دين عيسى، فأخبر الملك بهم وبعبادتهم، فبعث إليهم، فأحضروا بين يديه يبكون، فقال: ما منعكم أن تذبحوا لآلهتنا وتجعلوا أنفسكم كأهل المدينة؟ فاختاروا إما أن تكونوا على ديننا، وإما أن نقتلكم، فقال له أكبرهم: إن لنا إلهاً عظمته ملء السماوات والأرض، لن ندعو من دونه إلهاً أبداً، اصنع ما بدا لك، وقال أصحابه مثل ذلك. فأمر الملك بنزع لباسهم، والحلية التي كانت عليهم، وكانوا مسورين ومطوقين، وكانوا غلماناً مرداً حساناً جداً، وقال: سأتفرع لكم وأعاقبكم، وما يمنعني من فعل ذلك بكم، إلا أني أراكم شباباً، فلا أحب أن أهلككم، وإني قد جعلت لكم أجلاً، تدبرون فيه أمركم، وترجعون إلى عقولكم، ثم إنه سافر لغرض من أغراضه، فخافوا أنه إذا رجع من سفره، يعاقبهم أو يقتلهم، فاستشوروا فيما بينهم، واتفقوا على أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه، يتصدق ببعضها ويتزود بالباقي، ففعلوا ذلك، وانطلقوا إلى جبل قريب من مدينتهم يقال له ينجلوس فيه كهف، ومروا في طريقهم بكلب فتبعهم، فطردوه فعاد، ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم الكلب: أنا أحب أحباب الله عزَّ وجل، فناموا وأنا أحرسكم فتبعهم، فدخلوا الكهف وقعدوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسريح والتحميد، وجعلوا نفقتهم تحت يد واحد منهم اسمه تمليخا، كان يأتي المدينة يشتري لهم الطعام سراً، ويتجسس لهم الخبر، فلبثوا في ذلك الغار ما شاء الله، ثم رجع