والمعنى: أنّه ينضج به جميع جلودهم. {بِئْسَ الشَّرابُ} ذلك الماء الموصوف؛ لأن المقصود بشرب الماء تسكين الحرارة، وهذا يبلغ في الإحراق مبلغًا عظيمًا، فالمخصوص بالذم محذوف تقديره: هو؛ أي: ذلك الماء المستغاث به كما قدرنا {وَساءَتْ} النار، وقبحت {مُرْتَفَقًا} ؛ أي: متكأ، ومنزلًا، وأصل الارتفاق نصب المرفق، تحت الخد، وهو تمييز محول عن الفاعل، والأصل: قبح مرتفقها، فحوّل الإسناد إلى النار، ونصب مرتفقًا على التمييز مبالغة وتأكيدًا؛ لأن ذكر الشيء مبهمًا ثمّ مفسرًا أوقع في النفس من أن يفسّر أولًا، وأعربه بعضهم مصدرًا بمعنى الارتفاق، فعبر عن الإضرار والعذاب بالمرتفق الذي هو المنتفع به، أو نفس الانتفاع على سبيل المشاكلة، لقوله في الجنة: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} وإلّا فأي ارتفاق في النار؟!
والمعنى: أي ما أقبح هذا الشراب الذي هو كالمهل، فهو لا يطفئ غلة، ولا يسكن حرارة الفؤاد، بل يزيد فيها إلى أقصى غاية، وما أسوأ هذه النار منزلًا ومرتفقًا، ومجتمعًا للرفقة مع الكفار والشياطين، وجاء في الآية الأخرى {إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (66) }
30 -ثم ثنى بذكر السعداء فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} وصدقوا بالحقّ الذي أوحي إليك، {وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ} من الأعمال؛ أي: جمعوا بين عمل القلب، وعمل الأركان، والصالحات؛ جمع صالحة وهي في الأصل صفة، ثمّ غلب استعمالها فيما حسّنه الشرع من الأعمال، فلم تحتج إلى موصوف، ومثلها الحسنة فيما يتقرب به إلى الله تعالى. {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ} منهم {عَمَلًا} مفعول أحسن، والتنوين فيه للتقليل، والأجر: الجزاء على العمل؛ أي: لا نبطل ثواب من أخلص منهم عملًا، ووضع الظاهر موضع المضمر، إذ حق العبارة أن يقال: إنّا لا نضيع أجرهم، للدلالة على أن الأجر إنما يستحق بالعمل دون العلم، إذ به يستحق ارتفاع الدرجات، والشرف، والرّتب، وقرأ عيسى الثقفي {إنا لا نضيِّع} من ضيع عداه بالتضعيف، والجمهور من أضاع عدوه بالهمزة.