قلت: الذي أحوجَ الزمخشريَّ إلى عَدَمِ جَعْلِه تمييزاً مع ظهوره في بادئ الرأي عدمُ صحةِ معناه . وذلك أنَّ التمييزَ شرطُه في هذا الباب أن تَصِحَّ نسبةُ ذلك الوصفِ الذي قبله إليه ويتصفَ به ، ألا ترى إلى مثاله في قوله:"زيد أقطعُ الناس سيفاً"كيف يَصِحُّ أن يُسْنَدَ إليه فيقال: زيد قَطَعَ سيفُه ، وسيفه قاطع ، إلى غيرِ ذلك . وهنا ليس الإِحصاءُ من صفةِ الأمَد ، ولا تَصِحُّ نسبتُه إليه ، وإنما هو صفات الحزبين ، وهو دقيق .
وكان الشيخُ نقل عن أبي البقاء نصبَه على التمييز ، وأبو البقاء لم يذكر نصبَه على التمييز حالَ جَعْلِه"أَحْصَى"أفعلَ تفصيلٍ ، وإنما ذكر ذلك حين ذكر أنه فعلٌ ماضٍ . قال أبو البقاء:"في أحصى وجهان ، أحدُهما: هو فعلٌ ماضٍ ،"وأَمَداً"مفعوله ، و"لِما لَبِثوا"نعتٌ له ، قُدِّم فصار حالاً أو مفعولاً له ، أي: لأجل لُبْثهم . وقيل: اللامُ زائدةٌ و"ما"بمعنى الذي ، و"أَمَداً"مفعولُ"لبثوا"وهو خطأٌ ، وإنما الوجهُ أن يكونَ تمييزاً والتقدير: لما لبثوه . والوجه الثاني: هو اسمٌ و"أَمَداً"منصوبٌ بفعلٍ دَلَّ عليه الاسمُ"انتهى . فهذا تصريحٌ بأنَّ"أَمَداً"حالَ جَعْلِه"أحصى"اسماً ليس تمييزاً بل مفعولاً به بفعلٍ مقدرٍ ، وأنه جعله تمييزاً عن"لبثوا"كما رأيت .