29 -وبعد أن أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يلتفت إلى قول أولئك الأغنياء، الذين قالوا: إن طردت أولئك الفقراء آمنّا بك، أمره أن يقول لهم ولغيرهم على طريق التهديد والوعيد، هذا هو الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وقد أشار إلى ذلك بقوله: {وَقُلِ} أيها الرسول لأولئك الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا، واتّبعوا أهواءهم، هذا الذي أوحي إلي هو {الْحَقُّ} حالة كونه كائنًا {مِنْ} عند {رَبِّكُمْ} ومالك أمركم، لا من قبل نفسي، وهو الذي يجب عليكم اتّباعه، والعمل به، فقد جاء الحقّ، وانزاحت العلل، فلم يبق إلّا اختياركم لأنفسكم، ما شئتم مما فيه النّجاة أو الهلاك، {فَمَنْ شاءَ} أن يؤمن به ويدخل في غمار المؤمنين، ولا يتعلل بما لا يصلح أن يكون معذرة له، {فَلْيُؤْمِنْ} به، لأن الحقّ قد وضح، واختفى الباطل {وَمَنْ شاءَ} أن يكفر به، وينبذه وراء ظهره، {فَلْيَكْفُرْ} ، ولست بطارد - لأجل أهوائكم - من كان للحق متبعًا، وبالله وبما أنزل عليّ مؤمنًا، فالله تعالى لم يأذن لي في طرده لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من الكفار، وهذه الجملة وردت مورد تهديد، لا مورد تخيير، ولذلك عقّبه بقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ} .
وخلاصة ذلك: أنّني في غنى عن متابعتكم، وإنني لا أبالي بكم، ولا بإيمانكم، وأمر ذلك إليكم، وبيد الله التوفيق، والخذلان، والهدى، والضلال، وهو لا ينتفع بإيمان المؤمنين، ولا يضره كفر الكافرين كما قال: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} وقرأ أبو السمال قعنب {وقل الحَقُّ} بفتح اللام، حيث وقع. قال أبو حاتم: وذلك رديء في العربية انتهى. وعنه أيضًا ضم اللام حيث وقع كأنّه إتباع لحركة القاف، وقرأ أيضًا الحقّ بالنصب، قال صاحب «اللّوامح» هو على صفة المصدر المقدر؛ لأنّ الفعل يدل على مصدره، وإن لم يذكر، فينصبه معرفة كنصبه إيّاه نكرة، والتقدير: وقل القول الحقّ، وقرأ الحسن، وعيسى الثقفي بكسر لامي الأمر.