أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً جاء هذا بعد أن ذكر الله عزّ وجلّ من الآيات تزيين الأرض بما خلق فوقها من الأجناس التي لا حصر لها، ثم إزالة ذلك كله كأن لم يكن، فكأنه يقول: إنّ ذلك أعظم من قصة أصحاب الكهف، وإبقاء حياتهم مدة طويلة، ومن ثم فلا تتعجب منها ولا تستغربها. قال ابن كثير في الآية: أي ليس أمرهم عجبا في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك
من الآيات العظيمة، الدالة على قدرة الله تعالى، وأنّه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء، أعجب من أخبار أصحاب الكهف. والكهف: هو الغار الواسع في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم: فيحتمل أنه اسم القرية، أو اسم الوادي، أو اسم كتاب كتب في شأنهم ووضع على باب غارهم، أو اسم الجبل الذي فيه الكهف، أو اسم كتاب كان معهم. قال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف، واختلفت الروايات عن ابن عباس فيه، ومن الروايات عنه: أنه واد قريب من أيلة (من فلسطين) . ويحتمل أن الوادي أخذ اسمه من اللوح الذي تحدث عنه سعيد بن جبير.
قال ابن كثير: «ولم يخبرنا (أي الله) بمكان هذا الكهف في أيّ البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالا، فتقدم عن ابن عباس أنه قال هو قريب من أيلة. وقال ابن إسحاق هو عند نينوى. وقيل ببلاد الروم، وقيل ببلاد البلقاء أي في الأردن، والله أعلم بأيّ بلاد الله هو، ولو كان فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه. فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «ما تركت شيئا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به» . فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه.