فهدف هذه السورة سَوْق الناس ودفعهم إلى وحي الله تبارك وتعالى إليهم، اتبعوا وحي الله، اتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، أما تناسب هذه السورة مع ما قبلها فإن قبلها سورة الحِجْر وعرفنا أن الحجر اسمٌ لمكان ديار قوم ثمود، وكان من تمكين الله لهم أن كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين، وفي آية أخرى آمنين، بيوت عالية يأمنون فيها بدلاً من سفح الوادي من أسفل، ويتنزهون فيها أيضاً فهي أقرب إلى الشمس وأقرب إلى الهواء النقي وما إلى ذلك، فكانوا يتنزهون فيها ويأمنون فيها على أنفسهم، ثم ماذا فعلوا بهذه النعمة، أن يلهمهم الله تعالى صنع بيوت في أطراف الجبال، يؤمنهم بها وينعمهم بها، ماذا فعلوا؟ كفروا كفراً عظيماً جدًّا حتى طلبوا من نبيهم صالح عليه سلام الله آيةً يؤمنون عليها، يعني لو جئتنا بهذه الآية لنؤمنن لك، طلبوا آيةً ظنوا أنها مستحيلة فسوف يعجّزون بها صالحاً عليه السلام وبالتالي يكون صالحاً هو الخاطئ، وهو المقصر، لو جئتنا بالآية التي طلبناها لآمنّا فإنّك لم تأت بها، فطلبوا أن يخرج لهم ناقةً حية من هذه الصخرة الميتة الجامدة، وظنوا أنهم يتحدّون صالحاً، وذلك من غباء الكفر والكافرين، ولكن صالحاً هذا مرسلٌ من ربه، وما كان لنبيٍّ أن يأتي بآية إلا بإذن الله، فأتاه الله هذه الآية وجاءه لقومه بناقةٍ حيّة من تلك الصخرة الجامدة، وكانت ناقة عجيبة لا يكفيها ماء بئرٍ واحدة، ولكن تشرب مياه الآبار كلها، ولذلك حدد لهم صالحٌ عليه السلام أن يشربوا من مياه الآبار يوماً ويتركوها اليوم التالي للناقة [5] ، وأن لا يردوها عن أرضٍ تنزلها أو ترعى فيها، ولا تمسوها بسوء، هذه الشروط، شروطٌ عادية ليست بالصعبة ولا بالمعجزة، ولكنهم غُلِبوا بها، رأوا أنهم لم يفلحوا في خطتهم مع صالح فقد غلبهم بالحجة والمعجزة، جاءهم بالآية المطلوبة، فما عليهم إلا أن يؤمنوا ولكنهم لا يريدون الإيمان، فماذا نفعل يا قوم؟ فلنعقر الناقة، لنذبحها، لنقتلها، تلك الناقة التي أحرجتنا أمام صالح، وستلجئنا إلى الإيمان الذي لا نريده، فنادوا صاحبهم، اكتروا رجلاً بأجرة وأعطوه أجرته على أن يذبح هذه الناقة وأن يعقرها، وكأني بهم يشعرون بصدق