لَها من دون الله وليًّا ولا نصيرًا.
و"المتاع"الأصل فيه: ما تستلِذُّه النَّفْس وتنتفع وتتبلَّغ به، والفناء يأتي عليه، فلا بقاء له ولا دوام، ومن ثَمَّ سَمَّى الله الحياة الدُّنيا كلَّها بما فيها متاعًا، وسَمَّى ما في الآخرة"نعيمًا"، إنَّه تلذُّذ دائم، وراحة لا نصبَ فيها، ورضوانٌ لا سخط معه؛ ذلك بأنَّ الدُّنيا جعَلَها العليمُ الحكيم للابتلاء والمِحْنة، فمن عرَفها كذلك، وعرف أنَّ كلَّ شيءٍ فيها فتنة، وأنَّ هذه حقيقةٌ ثابتة بِتَكوين الربِّ لا يستطيع إنسانٌ ولا جماعة ولا أُمَّة ولا الناسُ جميعًا أنْ يُبدلوا شيئًا عن هذه الحقيقة الثابتة، وجابَهَ الحياةَ بكلِّ شيء فيها كذلك، راضيًا عن ربِّه، وعن عدْلِه وحكمته ورَحْمته، متحرِّيًا بأتَمِّ يقظَتِه أن يعرف نِعَمَ الله وآياتِه على حقيقتها المشرِقة الحكيمة، ويُحْسن الانتفاع بِها على ما يَرضى ربُّه الذي أعطاه إيَّاها خيرًا وحسنة ليربِّيه بِها، وكلَّما فرغ من واحدةٍ رجع يُحاسب نفسه: هل نسيَ جانبًا من جوانب حُسْنِها، فأساء في وضعه غيْرَ موضعه؟ فيبحث عن سبب هذه الغفلة والنسيان، فيجده من جهله ورعونتِه وتعجُّلِه، فيرجع لائمًا نفْسَه، متضرِّعًا إلى ربِّه، سائلاً منه المعونة والتسديد، وهكذا يكون في كلِّ شأنه: في مَتْجَرِه، في مزرعته، في بيته، في مسجده، فإنْ في كلِّ ذلك طاعة وعصيانًا، وتقوى وفسوقًا، وكفرًا وإيمانًا، وإسلامًا وتَمرُّدًا، فإذا استقام على ذلك، وأخذ سبيل الحياة متَّبِعًا ما أُوحيَ إليه من ربِّه، معتمِدًا في كلِّ أمره عليه، واثِقًا به كلَّ الثقة؛ لأنَّه العليم القويُّ، الحكيم الرحيم، جاءه الْمَدَد الدَّائم من الله: هدًى وتثبيتًا، وتأييدًا ونصرًا، حتى يَصِل إلى دار المقامة على مناكب هذه الفِتَن والامتحانات، آمنًا مطمئنًّا فيبلغها بتوفيق الله ومعونته، ويدخل دار السَّلام، ويحطُّ رِحالَه في ظلالها الوارفة، ونعيمها الدَّائم المقيم:"فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [السجدة: 17] .