أمَّا مَن عَمِي عن الحقِّ فيما خلق الله، وغفل قلبه عن ذِكْر رحمة ربِّه وحكمته فيما أعطاه، فإنَّه يُعْرِض عن التفكُّر في آيات ربِّه وسُنَنِه الكونيَّة، ويجعل آياتِ الذِّكر الحكيم وراءَه ظهريًّا، فلا يعرف لها مدلولاً ولا معنًى، ولا يفقه منها عقيدة ولا حكمًا، ولا يقدِّر لله نعمة في نفسه، ولا فيما سخَّر له في الأرض والسموات، ولا نعمةً في رسالاته ورسُلِه، فينتكس قلبُه، ويتعفَّن لبُّه، وتفسد فطرتُه، فيتنكَّب السَّبيلَ السويَّ، ويستبدل الرُّشد بالغيِّ.
ثم يتشعَّب بِهم الطريقُ إلى شعبتَيْن، كلُّ واحدة منها أخبثُ من أختِها في الكفر بِحِكمة الله ورحمته:
فإحداهما: تَذْهب بوحْيِ الشيطان، زاعمة أنَّها تربِّي الرُّوح وتقوِّيها وتخلِّصها من ظلمات البشريَّة وتصفِّيها، فيخيَّل إليها لعماها أنَّ ذلك لا يكون إلا بِمَقْت نِعَمِ الله، والزُّهد فيما تفضَّل به الله مِمَّا تستلزمه البشريَّة، وتَسْتدعيه - ولا بدَّ - الفطرةُ الطبيعيَّة، وتحتاجه - بلا غِنًى عنه - الجبلَّة الحيوانيَّة، بِمُقتضى السُّنن الكونيَّة، فيحرِّم الطَّيبات باسم الزُّهد والورع، ويَمْنع بشريَّتَه مِمَّا لا غنى لَها عنه مِمَّا أحلَّ الله؛ مُحاوِلاً بِعَماه أن يغلب السُّنن الكونيَّة ويقهرها، بل أن يغلب القاهرَ فوق عباده ويخلق نفسه خلقًا جديدًا.
وهو لن يقدر على ذلك ولن يَسْتطيعه، فيخوض إلى آذانه في مساخط الله، مستخفيًا من الناس؛ ليستبقي تعظيمه عند الدَّهْماء والطَّغام، ويستخفّ بغضب القويِّ العزيز شديد الانتقام، ويَطْلع في أرضِ قلبِه الخبيثِ من هذه الخبائث رؤوسُ شياطينِ دعوة الناس بالحال أو بالْمَقال إلى تقديسه وعبادته من دون الله، وخَلْع صفات الرُّبوبية؛ من شدَّة البَطْش، ونفوذ الإرادة، وعِلْم الغيب وأخَواتِها من وثنيَّات الصُّوفية ما يجعله شيطانًا مَريدًا، وإمامًا من أئمَّة الكفر الضالِّين الْمُضِلِّين، فيحمل وزرَه ووزْرَ من أضلَّه من الغافلين الأغبياء، ونعوذ بالله من كلِّ شيطان رجيم، وعندئذٍ ينعق بأنْ وصَلَ إلى الحقيقة، فسقطَتْ عنه الأوامر والنواهي.