ونجد القرآن حينما يطبع خلق المؤمن بالله وبالمنهج ؛ لا يطبعه بطابع واحد يتعامل به مع كل الناس ، بل يجعل طَبْعه الخُلقي مطابقاً لموقف الناس منه ، فيقول: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} [المائدة: 54] .
ويقول أيضاً في وصف المؤمنين: {أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
وهكذا لم يطبع المؤمن على الشدة والعزة ، بل جعله يتفاعل مع المواقف ؛ فالموقف الذي يحتاج إلى الشدة فهو يشتد فيه ؛ والموقف الذي يحتاج إلى لِينٍ فهو يلين فيه .
والحكمة الشاعرة تقول:
وَوَضْعُ النَّدى في مَوضْعِ السَّيف بالعلي مضر ... كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضعِ النَّدَى
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:
{وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) }
ونعلم أن الرسل مُبشرِّين ومُنذرِين ؛ ولسائل أنْ يقولَ: ولماذا تأتي صيغة الإنذار دائماً؟ وأقول: إن مَنْ يؤمن هو مَنْ يتلقَّى البشارة ؛ أما مَنْ عليه أنْ يتوقَّع النِّذارة فهو الكافر المُنكِر .
وفي الإنذار تخويفٌ بشيء ينالُ منك في المستقبل ؛ وعليك أنْ تَعُد العُدَّة لتبتعد بنفسك أن تكون فيه ، والتبشير يكون بأمر تتمناه النَّفْس . وبالإنذار والتبشير يتضح الموقف بجلاء ، ويُحَاط الإنسان بكل قضايا الحياة ؛ ويتضح مسَار كُل أمرٍ من الأُمورِ .
وبذلك يكون الحق سبحانه في الآيتين السابقتين قد امتنَّ على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه قد آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم ؛ ولذلك يوصيه ألاَّ تطمح نفسه إلى ما أوتي بعضٌ من الكفار من جاه ومال ، فالقرآن عزُّ الدنيا والآخرة .