فكُلُّ حركة من الإنسان هي نزوع يتحرَّك من بعد وُجدْان ، والوُجْدان يُولِّد طاقة داخلية تُهيئ للنزوع وتدفع إليه ، فإن حزن الرسول صلى الله عليه وسلم لعدم إيمان صناديد قريش برسالته ؛ فهذا الحُزْن إنما يخصم ويأخذ من طاقته ؛ فيأتيه الأمر من الحق سبحانه أن يُوفِّر طاقته ، وأنْ يُوجِّهها لمَنْ آمن به ؛ وأن يخفِضَ جناحه لهم .
وخَفْض الجناح هو التواضُع ؛ ذلك أن الجناحَ هو الجانب ، فحين يأتيك إنسانٌ تريد أنْ تتكبَّر عليه ؛ فهو يقول"فلان لَوَى عنِّي جانبه".
وهكذا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يتواضع مع المؤمنين ؛ وأنْ يتوجه إليهم لا باستقامة قالبه ، بل أن ينزل هذا القالب قليلاً
وكلمة: واخفض جَنَاحَكَ .
إذن: فالطاقة التي كنتَ تُوجِّهها يا رسول الله إلى مَنْ لا يستحق ؛ عليك أنْ تُوجِّهها لِمَنْ يستحقها ، فيكفيك أن تُبلِّغ الناس جميعاً برسالتك ؛ ومَنْ يؤمن منهم هو مَنْ يستحق طاقةَ حنانِك ورحمتك .
وخَفْض الجناح لِمَنْ آمن برسالتك لا يورثه كِبْراً عليك ؛ بل يزيده أدباً معك .
وقد جاء في الأثر:"إذا عَزَّ أخوك فَهُنْه"أي: أنك إذا رأيتَ أخاك في وضع يعِزّ عليك ، فَهُنْ له أنت .
ومن قبل الإسلام قال الشاعر العربي:
صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ ... وقُلْنا القَوْمُ إخْوانُ
عَسَى الأيامُ أنْ يَرْجِعْ ... نَ قَوْماً كَالذِي كَانُوا
فَلمَّا صَرَّح الشَّر ... فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ
مَشَيْنَا مِشْيَةَ الليْثِ ... غَدا والليْثُ غَضْبَان
بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ ... وتَخْضِيعٌ وإقرانُ
وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ ... غَدَا والزِّق مَلآنُ
وَفِي الشَّرِّ نَجَاة حِي ... ينَ لاَ يُنجِيكَ إحسَانُ
وَبعضُ الحلمِ عِنْدَ الجَه ... لِ لِلْذلةِ إذْعَانُ