أي: أنه لن ينقصَ منك شيء في حالة عدم إيمانهم ، ولن يزيدك إيمانهم أجراً ؛ ذلك أن عليك البلاغَ فقط ؛ فلماذا تحزن على عدم إيمانهم؟
وقول الحق سبحانه هنا:
{وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [الحجر: 88] .
دليل على أن رسول الله صل الله عليه وسلم كان حريصاً على أن يُؤمِن قومه ، محبةً فيهم ، وليتعرَّفوا على حلاوة الإيمان بالله . وكان صلى الله عليه وسلم يتألم ويحز في نفسه عدم إيمانهم ، لدرجة أن الحق سبحانه قال له في آية أخرى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3 - 4] .
وهنا يُوضِّح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أن إيمانهم ليس أمراً صعباً عليه سبحانه ؛ ذلك أنه قادر أنْ ينزِّل آية من السماء تجعلهم خاضعين ؛ مؤمنين ؛ لكنه سبحانه يحب أن يأتيه خَلْقُه محبةً ، وأن يُحسِنوا استخدام ما وهبهم من خاصية الاختيار .
فسبحانه لا يقهر أحداً على الإيمان به ؛ فالإيمان عَمَل قلوب ، وسبحانه لا يريد قوالب ، وإنما يريد قلوباً خاشعة ، ولو شاء سبحانه من خَلْقه أنْ يأتوه طواعية ؛ فالقهر من القاهر يُثبِت له القدرة ، ولكن أنْ يأتيَ الخَلْق إلى خالقهم طواعية ؛ فهذا يُثبت له المحبوبية .
والحق سبحانه يريد أن يكون الإيمان نابعاً من محبوبية العابد للمعبود ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:
{وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ...} [الحجر: 88] .
ثم يُوجِّه له الأمر بأنْ يُوجّه طاقة الحنان والمودَّة التي في قلبه إلى مَنْ يستحقها ، وهم المؤمنون برسالته صلى الله عليه وسلم ؛ وعليه أنْ يخفضَ جناحه للمؤمنين .