ويوصيه كذلك بألا يحزنَ عليهم نتيجة انصرافهم عن دعوته ، فليس عليه إلا البلاغ ، وأن يتواضعَ صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ليزداد ارتباطهم به ، فهم خير من كل الكافرين برسالته صلى الله عليه وسلم . ثم يُوصيه الحق سبحانه أن يُبلغ الجميع أنه نذير وبشير ، يوضح ما جاء في القرآن من خير يعُمَّ على المؤمنين ، وعقاب ينزل على الكافرين .
وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إنما مثَلي ومثَل ما بعثني اللهُ به كمثَلِ رجلٍ أتى قوماً فقال: يا قوم ، إني رأيتُ الجيشَ بعينيَّ ، وإني أنا النذير العُرْيان ، فالنجاء النجاء ، فأطاعه طائفة من قومه فَأدْلجوا فانطلقوا على مهلهِم فَنجَوْا ، وكذَّبت طائفة منهم ، فأصبحوا مكانهم فصبَّحهم الجيش ، فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثَل مَنْ أطاعني فاتَّبع ما جِئْتُ به ، ومثَل مَنْ عصاني وكذَّب بما جئتُ به من الحقِّ".
ويقول سبحانه من بعد ذلك:
{كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) }
ونعلم أنه سبحانه قد أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم ، واستقبله الناس استقباليْنِ: فمنهم مَنِ استمع إلى القرآن فتبصَّر قول الحق وآمن ، وفي هؤلاء قال الحق سبحانه: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين} [المائدة: 83] .
والصنف الآخر استمع إلى القرآن ، فكانت قلوبهم كالحجارة ، وفيهم قال الحق سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ} [محمد: 16] .
ذلك أن قلوبهم مُمْتلئة بالكفر ؛ وقد دخلوا ومعهم حكم مُسْبق ، فلم يقيموا ميزانَ العدل ليقيسوا به فائدة ما يسمعون .