ولذلك أوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ألا يحزن ، فالمسألة لها سوابق مع غيرك من الرسل ؛ فقد نزل كل رسول بكتاب يحمل المنهج ، ولكن الناس استقبلوا تلك الكتب كاستقبال قومك لِمَا نزل إليك بين كافر ومؤمن ، واختلفوا في أمور الكُتب المنزَّلة إلى رسلهم .
وكان انقسامهم كانقسام قومك حول الكتاب المُنزَّل إليك ، فلا تحزنْ إنِ اتهموك بأنك ساحرٌ ، أو أن ما نزل إليك كتابُ شعر ، أو أنك تمارس الكهانة ؛ أو فقدوا القدرة على الحكم عليك واتهموك بالجنون .
وهكذا قَسَّموا القرآن المُنزَّل من الله سبحانه إلى أقسام هي: السِّحْر ، والكهانة ، والشعر ، والجنون ، كما فعل من قبلهم أقوام أخرى:
فمنهم مَنْ قال ، وأثبته القرآن عليهم: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] .
وهكذا تعلم يا رسول الله أنك لست بِدْعاً من الرسل ، ذلك أن الرسل لا يأتون أقوامهم إلا وقد طَمَّ الفساد والبلاء ، ولا يوجد فساد إلا بانتفاع واحد بالفساد بينما يضرُّ بالآخرين .
وإذا ما جاء رسول ليصلح هذا الفساد يهُبُّ أهل الاستفادة من الفساد ليقاوموه ويضعوا أمامه العراقيل ؛ مثلما حدث معك يا رسول الله حين قال بعضهم: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ} [فصلت: 26] .
ومثل هذا القول إنما يدلُّ على أنهم لو صَفُّوا نفوسهم ، واستمعوا للقرآن لاهتدوا ؛ لذلك يقول لهم سادتهم: {والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] .
أي: شَوِّشوا عليه .
وهكذا فالاقتسام الذي استقبل به الكفار القرآن سبق وأنْ حدث مع الرسل الذين سبقوك .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:
{الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) }