دلت الآية بإطلاقها على وجوب طاعة الرسول ، والآتي بمثل ما فعله الغير لأجل أن ذلك الغير فعله طائع لذلك الغير ، فوجب أن يكون ذلك واجبا.
وسابعها: قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها 33: 37 [1] ، بين أنه تعالى إنما زوجه لها ليكون حكم أمته مساويا لحكمه في ذلك وهو المطلوب.
وأما الإجماع فلأن الصحابة بأجمعهم اختلفوا في الغسل بالتقاء الختانين ، فقالت عائشة رضي الله عنها: فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلّم فاغتسلنا ، فرجعوا إلى ذلك ، وإجماعهم على الرجوع حجة ، وهو المطلوب.
وإنما كان ذلك لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقد أجمعوا ها هنا على أن مجرد الفعل للوجوب ، ولأنهم واصلوا الصيام لما واصل ، وخلعوا نعالهم لما خلع ، وأمرهم عام الحديبيّة بالتحلل فتوقفوا ، فشكا ذلك إلى أم سلمة رضي الله عنها فقالت: اخرج إليهم فاحلق واذبح ، ففعل ، فحلقوا وذبحوا مسارعين ، وأنه خلع خاتمه فخلعوا ، وأن عمر رضي الله عنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولو لا أني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك ، وأما خلع الخاتم فهو مباح ، فلما خلع أحبوا موافقته لا لاعتقادهم وجوب ذلك عليهم.
والجواب عن الوجه الأول من المعقول أن الاحتياط إنما يصار إليه إذا خلا عن الضرر قطعا ، وها هنا ليس كذلك لاحتمال أن يكون ذلك الفعل حراما ، وإذا احتمل الأمران لم يكن المصير إلى الوجوب احتياطا.
وعن الثاني إن ترك الإتيان بمثل ما يأتي به الملك العظيم قد يكون تعظيما ، ولذلك يقبح من العبد أن يفعل كل ما يفعله سيده ، واحتج القائلون بالندب بالقرآن والإجماع والمعقول.
أما القرآن: فقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ 33: 21 ، فلو كان التأسي به واجبا لقال عليه ، ولما لم يقل ذلك وقال لكم دل على عدم الوجوب ، ولما أثبت الأسوة دل على رجحان جانب الفعل على الترك ، فلم يكن
[1] الأحزاب: 37.