بمصر ، وأزاحوا البربر عن بلاد المغرب وانتزعوها منهم ومن القوط الجلالقة ، فلم يتركوا نوعا من أنواع العذاب حتى أحلّوه بمن ذكرنا من الأمم ، وهم سكان البسيطة ومعظم الخليقة من البشر ؟.
قلنا: هذا اعتراض من لم ترض نفسه بالحكمة ، حتى غفل عن ترتيب حكمة الباري تعالى في مصنوعاته ، ولم يعلم ما تعطيه حقائق الأشياء ، وذلك أن المحالّ إنما تقبل على قدر الاستعداد المهيأ فيها ، وبيان ذلك أن الله تعالى وصف كتابه العزيز بأنه هدى للناس ، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ 2: 185 [1] ، وهذا عام مطّرد باعتبار القوة والصلاحية ، أي في قوته وصلاحيته أن يهدي جميع الناس ، وهو عام مخصوص بمن لم يهتد باعتبار الفعل ، إذ كثير من الناس لم يهتد به ، ثم وصف تعالى كتابه بوصفين متضادين في وروده على الناس بحسب قبول قلوبهم له على قدر استعدادها ، قال تعالى: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ من يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ 9: 124 - 125 [2] ، وقال تعالى: وَنُنَزِّلُ من الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً 17: 82 [3] ، وقال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ من مَكانٍ بَعِيدٍ 41: 44 [4] ، فانظر - أعزك الله - كيف كانت عين القرآن واحدة ، وأثره في قلوب الناس مختلف ، فيزيد المؤمن به إيمانا على إيمانه ، ويزداد به الكافر كفرا على كفره حتى يموت كافرا ، وانظر كيف تكون شفاء ورحمة لقوم وخسارا لآخرين ، وكيف يهتدي به قوم ويكون عمى على قوم ؟ ، وذلك بحسب ما أعطاه الله من الاستعداد والمهيأ للقبول ، وقد كشف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم قناع هذا المعنى ببليغ بيانه:
فخرج البخاري [5] ..
[1] البقرة: 185.
[2] التوبة: 124 ، 125.
[3] الإسراء: 82.
[4] فصلت: 44.
[5] (فتح الباري) : 1/ 232 ، كتاب العلم ، باب (20) فضل من علم وعلّم ، حديث رقم (79) .