فأما أنه صلى الله عليه وسلّم رحمة للعالمين
فقد قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ 21: 107 [1] ، وذلك أن أعداءه أمنوا من العذاب مدة حياته ، قال تعالى: وَما كانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ 8: 33 [2] ، فلم يعذبهم الله تعالى حتى ذهب عنهم إلى ربه ، فأنزل بهم ما أوعدهم من قبل وأشد ، وذلك قوله تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ 43: 41 [3] .
خرج الحرث بن أبي أسامة من حديث على بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: بعثني الله رحمة وهدى للعالمين ، وهو هدي الدعاء والبيان.
ورواه محمد بن إسحاق من حديث الفرح بن فضالة عن علي بن يزيد به ولفظه: إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين ، وهو هدى التعريف والاستهداء.
وقال يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله ، ألا تدعو على المشركين ؟ قال: إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا ، فإن قيل: كيف يكون رحمة للعالمين وقد أنزل بمن عاداه الذل والصّغار ، فحطّم بعد الرفعة ، وأهانهم بعد المنعة ، وصيرهم بعد الملك إلى الهلك ، بأن حوى أموالهم ، وسبى حريمهم ، وملك معاقلهم ، وقتل حماتهم ، ثم إن أصحابه من بعده دوخوا ممالك الأرض بدعوته ، فاجتاحوا العرب من بني حنيفة وغيرهم عند ارتدادهم عن ملته ، ومزقوا ملك كسرى وملك فارس ، وأذلوا الفرس ، وشردوا قيصر ملك الروم عن الشام والجزيرة ، وقتلوا الروم والفرس أبرح قتل ، وغلبوا قبط مصر وجبروهم أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون بعد ما ملكوا ديارهم وأموالهم
[1] الأنبياء: 107.
[2] الأنفال: 33.
[3] الزخرف: 41.