لَم يتعرَّض الشيخ المعصوميُّ لسجود الملائكة الذي ذهب الشيخ حامدٌ إلى أنَّه سجود فطري كوني، ولكن جعل هجير كلامِه في تجريد الملائكة من العقل.
وما قاله من أنَّ وصْفَهم بالعقل ليس عليه دليل فنَتْرك ما ترك الشيخ، ونَعْرِض لِما دافع عنه بهذه الحميَّة، أو على حدِّ تعبيره:"وحيث إنَّ هذا أمْرٌ مهم، والتَّساهُل فيه رُبَّما يصير سببًا لِطَعْن الأعداء في الدِّين، فأداءً لِما في ذمَّتي من بيان الحقِّ والنصيحة، جَمعْتُ رسالة في الموضوع"... إلخ ما علَّل به نشْرَ هذه الكلمة.
ونحن نقول: إنَّ كل ما ساقه الشيخ من أدلَّة قرآنيَّة أو أحاديث نبويَّة عن اتِّصاف الملائكة بالعقل إنَّما هي أدلَّة استنتاجيَّة، وبراهينُ قياسيَّة، لا تقع مباشرة على القضيَّة التي يريد إثباتها؛ ذلك أنَّه فَهِم مِمَّا كُلِّفوا به من أعمال مُختلفة ثابتة بالنصِّ الصَّريح من كتاب الله والقول الصحيح من حديث رسوله - من مارى فيها فقد كفَر - بأنَّ قيامهم بِهذه الأعمال يلزم منه أن تكون لهم قوَّة عاقلة ينفِّذونَها بعد تفكيرٍ وإِعمالِ رَوِيَّة، كما ينفِّذ الإنسانُ ما يَعْمله بواسطة هذه القوة العاقلة!
وقد فاتَه أنَّ البَوْن بعيد، والفرق شاسع، والجِهَة - كما يقول الْمَناطقة - مُنفكَّة، حتَّى وإن قرَّبَها بما عزاه لبعض العلماء من أنَّ الملائكة لهم عقول بلا شهوات، وأما بَنُو آدم فقد رُكِّبوا على العقل والشَّهوة ... إلخ ما قالوا، وتوسَّعوا فيه.
ولا زلنا نقول - مع احترامنا لأولئك العلماء الأفاضل، والحقُّ والنصُّ في صَفِّنا - بأنَّ وصْف الملائكة بالعقل دعوى بغير دليل، وتقليدٌ صِرْف - بدون تبَصُّر - لِما قيل، والذي يحسم النِّزاع في هذه القضية - وكلِّ قضية من نوعها تتعلَّق بعالم الغيب - هو ما جاء فيها عن الله ورسوله.
فهل يتفضَّل الشيخ مشكورًا فيدُلَّنا على آية صريحة واحدة أو روايةٍ عن المعصوم -صلى الله عليه وسلم- تصف الملائكة بالعقل فيما تَصِفُهم به من خِلال الخَيْر التي فطرهم الله عليها، كما ننسبه للبشر، ونجعله مناطَ تكليفهم بشريعة ربِّهم، وتشريفهم بخطابه؟