وهذا - وربِّي - هو"القرآن العظيم"؛ العظيم في حلاوة أسلوبه، وعُذوبة منطقِه، وقوَّة تناسق آياته وكلماته، بل وحروفه، العظيمُ في مقاصده ومعانيه، وما يدعو بِها ربُّنا المؤمن به إلى أعلى درجات الكمال الإنساني في الدُّنيا والآخرة، العظيم في تشخيصه لأمراض النَّفس وعللها بِمنتهى الدقَّة والتحديد، فإنه تشخيص الربِّ الذي خلقها وصَوَّرها وسوَّاها، وهو اللطيف الخبير، العظيم في وصْفِ دوائها ومقاديره وأوقاته الصالحة لاستئصال كلِّ الأدواء والعِلَل، وإعادة النفس إلى أصل الفطرة زكيَّة طاهرة نقيَّة صافية، صالحة لِتَنَزُّل نِعَم الله وآياته عليها وفيها، فتَقْبلها أحسن قبول، وتقدِّرها أعظم تقدير، وتشكرها حقَّ شكرها، فتكون من المُحسنين المفلحين.
العظيم في رسمه خططَ الحياة الرشيدة لكلِّ فرد، ولكلِّ أسرة، ولكل مُجتمع، والوصية الصادقة، والحصن القوي، الذي تتجلَّى فيه الرحمة بأْجَلى معانيها على الحرص على تَحرِّي هذا المنهج القويم، والاستقامة على هذه الخُطَط الحكيمة الرشيدة، العظيم في سَوْقه العِبَرَ قويَّة واضحة بتصويره أوضح صورة وأدقَّها وأجلاها للسَّابقين من الأُمَم مؤمنِهم وكافرهم، وما كان لكلِّ منهم من الجزاء العادل، بِما تقتضيه سنن الربِّ العالِم العادل العزيز الحكيم، تلك السُّنن لا تتبدَّل ولا تتحول، العظيم في دقَّة تطبيق هذه الصُّوَر على الحاضرين الذين لا يزالون يعيشون في هذه الحياة، ويتلون ويسمعون هذه المثاني والقرآن العظيم، العظيم في تشريعه الشَّرائع المصلحة لكلِّ نَفْس بِما يناسبها ويقطع دابر الشرِّ والفساد، ويغذِّيها لدينها ودنياها وآخرتها، العظيم في أحكامه وما أقام لها من حدودٍ، وأحاطها من أسوار قويَّة، لا يخترقها ويتعدَّاها إلاَّ كل فاجر كفار.