سورة الحجر (الآية 87)
بسم الله الرحمن الرحيم:"وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" [الحجر: 87] .
"الْمَثَانِي"قال الراغب الأصفهانِيُّ في"المفردات""الثِّنَى"ما يُعاد مرَّتين، قال - عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لا ثِنَى في الصدقة ) ) [1] ؛ أيْ: لا تؤخذ الصَّدقةُ في السَّنَة مرَّتَيْن، وقال الشاعر - وهو كعب بن زهير - وكانت امرأته لامَتْه في بَكْرٍ نَحَره:
أَفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلامَةً
لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ مَلامَتُها ثِنَى [2]
أَيْ: ليس بِأَوَّل لومِها، فقد فعلَتْه قبل هذا، وهذا ثِنًى بعده، وامرأة ثِنْيٌ: ولدَتْ اثنين وولدُها يقال له: ثِنْيُها، وحلف يمينًا فيها ثُنْيَا وثَنْوَى وثَنِيَّة ومَثْنَوِيَّة: إذا استثْنَى منها، ويُقال لِلاَوي الشَّيء: قد ثناه، والثَّنِيُّ من الشَّاء: ما دخل في السَّنة الثانية، ومن الإبل: ما سقطَتْ ثَنِيَّتُه، وثنَيْت الشيء: عقَدْته بثنايين - غير مهموز - والثَّنيَّة من الجبل: ما يحتاج في قَطْعه إلى صعود وصدور، فكأنه يثني السَّير، والثنيَّة من السن: تشبيهًا لَها بالثنيَّة من الجبل في الهيئة والصَّلابة، والثناء: ما يُذْكَر من المَحامد، فيثنى حالاً فحالاً، وسُمِّيَت سور القرآن مثانِيَ في قوله تعالى:"وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي" [الحجر: 87] ؛ لأنها تُثَنَّى على مرور الأوقات وتُكرَّر، فلا تَدْرُس ولا تنقطع دروسَ سائر الأشياء التي تضمحلُّ وتبطل على مرور الأيام، وعلى ذلك قوله:"اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ" [الزمر: 23] ويصحُّ أنَّه قيل للقرآن: مثاني؛ لما يثنَّى ويتجدَّد حالاً فحالاً من فوائدِه وعجائبه، ولا يَخْلَق على كثْرة الردِّ، ويصح أن يكون ذلك من الثَّناء؛ تنبيهًا على أنه أبدًا يظهر منه ما يَدْعو إلى الثَّناء عليه، وعلى مَن يتلوه ويعلمه ويعمل به، وعلى هذا الوجه وصَفَه الله بالكرم في قوله:"إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ" [الواقعة: 77] ، وبالمَجيد في قوله:"بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ" [البروج: 21] ؛ اهـ.
[1] الحديث أخرجه أبو عبيد في"غريب الحديث"، 1/ 98، وابن الأثير في"النهاية"، 1/ 244، و"الفائق"، 1/ 158، ورُواته ثِقات.
[2] "ديوان كعب"ص 128،"لسان العرب"ج 14، ص 115.