فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 248478 من 466147

ثم قال ربنا - تبارك اسمه - لعبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-:"فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ" [الحجر: 85 - 86] .

قال الرَّاغب: صفْح الشيء: جانِبُه وعرْضُه، كصفحة الوجه، وصفحة السَّيف، وصفحة الحجَر، والصَّفْح: ترك التَّثْريب، وهو أبلغ من العَفْو، وصفَحْت عنه: أولَيْته منِّي صفحة جميلة مُعْرِضًا عن ذنبه، أو لقيت صفحَتَه متجافيًا عنه، أو تجاوزت عن الصَّفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها من قولك: تصفَّحْت الكتاب، وقوله تعالى:"وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" [الحجر: 85] ، فأمَرَه الله: ألاَّ يخاف من كُفْر مَن كَفَر، كما قال:"وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ في ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ" [النحل: 127] .

وفي"اللِّسان": ونظر إليه بِصَفْح وجْهِه وصُفْحه؛ أيْ: بِعُرْضه، وأصل الصَّفح، من الإعراض الجافي بصفحة الوَجْه، كأنَّه أعرض بوجهه عن ذنبه.

يقول الله تعالى لعبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ولكلِّ وارثٍ عن هذا الرَّسول دعوتَه الحقَّ: أعرِض عن هؤلاء الذين خابوا بِتَدنيس أنفسهم في ظلمات العَمى عن الحقائق، وأصَرُّوا على كفرهم بنِعَم ربِّهم وفي إنسانيَّتِهم التي أعطاها الله للجميع على سواء، وأبَوْا إلاَّ أن يَمْشوا في دينهم مكبَّلين بأغلال التَّقليد الأعمى: اصْفَح عن هؤلاء المساكين، واعْفُ عنهم وقُلْ لَهم: سلام؛ فإنَّهم مرْضَى القلوب بالاستخذاء للسَّادة والرؤساء، قد استعصى مرَضُهم، فهم لن يضرُّوك شيئًا، حتَّى تهتمَّ لهم وتشغل نفسك بِهم، والأمر بيد ربِّك الخلاَّق الذي خلقك وخلقهم، وهو العليم بك وبِهم، وبشؤونك وعاقبتك، وبشؤونهم وعاقبتهم، وهو الذي يتولَّى حمايتك وحماية رسالتك التي اختارك لَها، واصطفاك بتبليغها:"فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ" [الروم: 60] ،"فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا" [المعارج: 5 - 6] ،"وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً" [المزّمِّل: 10 - 11] .

يؤدِّب ربُّنا سبحانه عبْدَه ومصطفاه، وخاتمَ رسلِه -صلى الله عليه وسلم- هذا الأدب العالي؛ لِيَزداد قوَّةَ إيمان ويقينٍ، وثباتَ جأشٍ وصدْقَ عزْمٍ على تحمُّل هذه الرسالة التي هي أَعْظم الرِّسالات وأكمَلُها بِما جمعت للإنسانيَّة كلِّها من خيرَيِ الدُّنيا والآخرة.

وكذلك ينبغي أن يتوجَّه هذا الأدَبُ والتعليم لكلِّ مهتدٍ بِهَدْيِ هذا الرَّسول، ومتَّبِعٍ له على هُدَى الحقِّ، وبصيرة العِلْم الصحيح على صراطه المستقيم - أن يأخذ هذا الخطاب لنفسه، مشعِرًا إيَّاها بأنَّه الوارث لِهَدْي هذا الرسول الكريم، فيحمله ذلك على شدَّة الحرص والتحرِّي للاهتداء بِهُداه، والاستمساك بعروة سُنَّتِه الوُثْقى، والقيام مقامه في الدَّعوة إلى الله، والصَّبْر على الأذى في سبيل الله، والصَّفح الجميل، والهجر الجميل لِمَرضى القلوب، بحيث يكون متَّصِلاً بِهم مقاطِعًا لَهم، يقاطعهم بِمَقته؛ لِما هم عليه من الكفر والفساد والفسوق، والخوف من عَدْوى أمراضهم الخطيرة الْمُهلكة للقلوب، ويتَّصل بهم اتصالَ الطبيب بالمرْضَى؛ لعلَّ الله أن ينفعَهم بِمَواعظِه ونصائحه، ووصاياه ورسالته، فلا تؤثِّر عليه في نفسه وعقيدته وأخلاقِه صِلَتُه بِهم من هذه الناحية، ولا يُحرَمون هم من واعظِ الحقِّ وداعي الهُدَى والرُّشد منه، ولا تبطل حُجَّة الله فيهم، وإلاَّ حلَّ بِهم هلاك الاستئصال العاجل.

نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المهتدين بِهَدْي عبد الله ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وأن يجعل لنا قدمَ صدْقٍ من اتِّباعه على بصيرة والاقتداء به، وأن يوقد مصباح هُداه في قلوب المسلمين أجمعين؛ حتَّى يكونوا بذلك من المهتدين المتَّقين المفلحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت