ويظهر لك هذا واضحًا كلَّ الوضوح في تَحوُّل حال قريش بعد قتْل أولئك الأرباب والفراعين في بدْرٍ وغيرها، ثُمَّ ما تلا ذلك من صُلْح الحديبية الذي كان الفتْحَ المبين، فقد انفلتَتِ العقول من قيود أولئك الفراعين، وخلصَتِ القلوب من أغلال تقليدهم وجبروتهم، فدَخل الناسُ في دين الله أفواجًا، وأقبلوا ببصيرة مستنيرة - بالحقِّ فيهم وفي الآفاق - على مائدة الحقِّ والْهُدى التي جاءهم بِها الصادقُ الأمين من عند ربِّهم الرَّحْمن الرحيم، فكانوا أثبت الناس إيمانًا، وأحرص الناس على هُدَى مائدة القرآن الكريمة، وأسرع الناس في الاستجابة إلى داعيها:"فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء" [الأنعام: 125] .
وهكذا الشأن في إبراهيم المِضْياف الكريم، وإخوانه لوط وصالِح وغيرهم من هُدَاة البشريَّة المصطفَيْن مع قومِهم، كشَأْن محمَّد -صلى الله عليه وسلم- مع قومه سواءً بسواء، هو الشَّأن اليوم في رسالة محمَّد -صلى الله عليه وسلم- ومائدة هُدَاه التي لا تزال مَمْدودة بفضْل ربِّنا مالك القلوب ومقلِّبِها مع من يتسمَّى باسم الإسلام ويلبس ثوبَه ظاهرًا، وعقيدتُه وعمَلُه، وخلُقَه وحُكْمُه وكلُّ شؤونه يكذِّب الإسلام، ويحارب رسالةَ محمد -صلى الله عليه وسلم- ومع من يتسمَّى بغير الإسلام؛ لأنَّ رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس كافَّة، وإلى قيام الساعة، وموقفها من الناس اليوم هو موقف محمَّد -صلى الله عليه وسلم- من قريشٍ وغيرهم، لا فارق مطلقًا إلاَّ عند الذين عَمُوا عن الحقِّ في أنفسهم وفي الآفاق، وكفروا بالله الحقِّ، وبدينه الحقِّ، وبِوَعْدِه الحق، وبرسوله الحق، وبكتابه الحقِّ، وبقوله الحق، وبحكمتِه الحقَّة، وبِخَلْقه الحق، فكانوا في أباطيلهم في مَعِيشة ضَنْك، وفي شقاءٍ لازم وعذاب واصب.