4 - [تعليق على ورود قصتي قومي شعيب وصالح في السورة]
(وعلّق صاحب الظلال على ورود قصتي قوم شعيب وقوم صالح في سورة الحجر فقال: وقد فصّل القرآن قصة شعيب مع قومه: أهل مدين وأصحاب الأيكة في مواضع أخرى. فأما هنا فيشير إشارة إلى ظلمهم وإلى مصرعهم تصديقا لنبأ العذاب في هذا الشوط، ولإهلاك القرى بعد انقضاء الأجل المعلوم الوارد في مطالع السورة.
ومدين والأيكة كانتا بالقرب من قرى لوط. والإشارة الواردة هنا وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ قد تعني مدين والأيكة، فهما في طريق واضح غير مندثر، وقد تعني قرية لوط السالفة الذكر، وقرية شعيب، جمعهما لأنهما في طريق واحد بين الحجاز والشام، ووقوع القرى الدائرة على الطريق المطروق أدعى إلى العبرة، فهي شاهد حاضر يراه الرائح والغادي. والحياة تجري من حولها وهي دائرة كأن لم تكن يوما عامرة. والحياة لا تحفلها وهي ماضية في الطريق.
أما أصحاب الحجر فهم قوم صالح، والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وهي ظاهرة إلى اليوم. فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد، مما يدل على القوة والأيد والحضارة .... ).
ثم علّق على قوله تعالى: وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ فقال:
(وهذه اللمحة الخاطفة من الأمن في البيوت الحصينة في صلب الجبال، إلى الصيحة التي تأخذهم فلا تبقي لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا .. شيئا يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف. هذه اللمحة تلمس القلب البشري لمسة عنيفة. فما يأمن قوم على أنفسهم أكثر مما يأمن قوم بيوتهم منحوتة في صلب الصخور. وما يبلغ الاطمئنان بالناس في وقت أشد من اطمئنانهم في وقت الصباح المشرق الوديع .. وهاهم أولاء قوم صالح تأخذهم الصيحة مصبحين وهم في ديارهم الحصينة آمنون. فإذا كل شيء ذاهب، وإذا كل وقاية ضائعة، وإذا كل حصين موهون. فما شيء من هذا كله بواقيهم من الصيحة. وهي فرقعة ريح أو صاعقة، تلحقهم فتهلكهم في جوف الصخر المتين) .
الفوائد:
1 - [سبب نزول الآية نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ... ]