{قَالُواْ بشرناك بالحق} أي بما يكون لا محالة، أو باليقين الذي لا لَبْسَ فيه، أو بطريقة هي حقٌّ وهو أمرُ الله تعالى، وقوله: {فَلاَ تَكُن مّنَ القانطين} من الآيسين من ذلك، فإن الله قادر على أن يخلق بشراً بغير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوز عاقر، وقرئ من القَنِطين، وكان مقصِدُه عليه الصلاة والسلام استعظامَ نعمتِه تعالى عليه في ضمن التعجب العادي المبنيِّ على سنة الله تعالى المسلوكةِ فيما بين عباده، لا استبعادَ ذلك بالنسبة إلى قدرته سبحانه كما ينبئ عنه قولُ الملائكة: فلا تكن من القانطين، دون أن يقولوا: من الممترين أو نحوه.
{قَالَ وَمَن يَقْنَطُ} استفهامٌ إنكاريٌّ أي لا يقنط {مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون} المخطِئون طريقَ المعرفة والصوابِ، فلا يعرِفون سعةَ رحمتِه وكمالَ علمه وقدرتِه كما قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: {لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون} ومرادُه نفيُ القنوط عن نفسه على أبلغ وجهٍ، أي ليس بي قنوطٌ من رحمته تعالى، وإنما الذي أقول لبيان منافاةِ حالي لفيضان تلك النعمةِ الجليلة عليّ، وفي التعرض لوصف الربوبيةِ والرحمةِ ما لا يخفى من الجزالة، وقرئ بضم النون، وبكسرها من قنَط بالفتح ولم تكن هذه المفاوضةُ من الملائكة مع إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام خاصة، بل مع سارَةَ أيضاً حسبما شُرح في سورة هود، ولم يُذكر ذلك هاهنا اكتفاءً بما ذكر هناك كما أنه لم يُذكر هذه هناك اكتفاء بما ذكر هاهنا. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 5 صـ}