{قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي خائفون ، فإن الوجلَ اضطرابُ النفس لتوقع مكروهٍ ، قاله عليه الصلاة والسلام حين امتنعوا من أكل ما قرّبه إليهم من العجل الحنيذ ، لِما أن المعتاد عندهم أنه إذا نزل بهم ضيفٌ فلم يأكلْ من طعامهم ظنوا أنه لم يجئ بخير ، لا عند ابتداء دخولهم لقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} فلا مجال لكون خوفه عليه الصلاة والسلام بسبب دخولِهم بغير إذن ولا بغير وقت ، إذ لو كان كذلك لأجابوا حينئذ بما أجابوا ، ولم يتصدَّ عليه الصلاة والسلام لتقريب الطعام إليهم ، وإنما لم يذكر هاهنا اكتفاءً بما بيّن في غير هذا الموضع ، ألا يرى إلى أنه لم يُذكر هاهنا ردُّه عليه الصلاة والسلام لسلامهم.
{قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ} لا تخف ، وقرئ لا تاجل ولا تُوجِلْ من أوجله أي أخافه ، ولا تُواجِلْ من واجله بمعنى أوجله {إِنَّا نُبَشّرُكَ} استئنافٌ لتعليل النهي عن الوجل ، فإن المبشَّر به لا يكاد يحوم حول ساحته خوفٌ ولا حزن ، كيف لا وهو بشارةٌ ببقائه وبقاءِ أهله في عافية وسلامة زماناً طويلاً {بغلام} هو إسحاقُ عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: {فبشرناها بإسحاق} ولم يتعرض هاهنا لبشارة يعقوبَ عليه الصلاة والسلام اكتفاءً بما ذكر في سورة هود {عَلِيمٌ} إذا بلغ ، وفي موضع آخرَ بغلام حليم.
{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى} بذلك {على أَن مَّسَّنِىَ الكبر} وأثر في تعجبه عليه الصلاة والسلام من بشارتهم بالولد في حالة مباينة للولادة ، وزاد في ذلك فقال: {فَبِمَ تُبَشّرُونَ} أي بأي أعجوبةٍ تبشرونني ، فإن البشارة بما لا يُتصور وقوعُه عادة بشارةٌ بغير شيء ، أو بأي طريقةٍ تبشرونني ، وقرئ بتشديد النون المكسورة على إدغام نون الجمع في نون الوقاية.