وقوله لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ من التزيين بمعنى التحسين والتجميل، وهو تصيير الشيء زينا، أي: حسنا حتى ترغب النفوس فيه وتقبل عليه.
والضمير في لَهُمْ يعود على ذرية آدم، وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر لهم ذكر، وقد جاء ذلك صريحا في قوله - تعالى - في آية أخرى: قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا.
وحذف مفعول لَأُزَيِّنَنَّ لدلالة المقام عليه.
أي: لأزينن لهم المعاصي والسيئات، بأن أحسن لهم القبيح. وأزين لهم المنكر. وأحبب الشهوات إلى نفوسهم حتى يتبعوها، وأبذل نهاية جهدي في صرفهم عن طاعتك ... وقال - سبحانه - فِي الْأَرْضِ لتحديد مكان إغوائه، إذ هي المكان الذي صار مستقرا له ولآدم وذريته، كما قال - تعالى - في آية أخرى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها - أي الجنة - فأخرجهما - أي آدم وحواء - مما كانا فيه، وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ.
وقوله وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ مؤكدا لما قبله.
أي: والله لأغوينهم جميعا مادمت قادرا على ذلك، ولأعملن على إضلالهم بدون فتور أو يأس، كما قال - تعالى - في آية أخرى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ.
قال القرطبي: وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح، عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن إبليس قال يا رب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى» .
وقوله - سبحانه - إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ اعتراف من إبليس بأن من عباد الله - تعالى - قوما لا يستطيع أن يغويهم، ولا يقدر على إضلالهم.
وكلمة «المخلصين» قرأها نافع وحمزة وعاصم والكسائي - بفتح اللام - ، فيكون المعنى: لأغوينهم أجمعين إلا عبادك الذين استخلصتهم لطاعتك، وصنتهم عن اقتراف ما نهيتهم عنه.