الثالث: أنه مجزومٌ على جوابِ المقولِ المحذوفِ تقديره: قل لعبادي: أقيموا وأَنْفِقُوا ، يُقيموا وينفقوا . قال أبو البقاء: وعزاه للمبرد -"كذا ذكره جماعة ولم يتعرَّضوا لإِفسادِه . وهو فاسد لوجهين ، أحدُهما: أنَّ جوابَ الشرطِ يُخالِفُ الشرطَ: إمَّا في الفعلِ أو في الفاعل أو فيهما ، فأمَّا إذا كان مثلَه في الفعلِ والفاعلِ فهو خطأٌ كقولِك: قم تقمْ ، والتقديرُ على ما ذُكِرَ في هذا الوجه: إنْ يُقيموا يُقيموا . والوجه الثاني: أنَّ الأمرَ المقدَّرَ للمواجهة ، و"يُقيموا"على لفظ الغَيْبَةِ وهو خطأٌ ، إذا كان الفاعل واحداً". قلت: أمَّا الإِفسادُ الأولُ فقريبٌ ، وأمَّا الثاني فليس بشيء ؛ لأنه يجوز أن يقول: قل لعبدي أَطِعْني يُطِعْك ، وإن كان للغَيْبة بعد المواجهة باعتبارِ حكايةِ الحال .
الرابع: أنَّ التقديرَ: إن تَقُلْ لهم: أقيموا ، يُقيموا ، وهذا مَرْوِيٌّ عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية . قلت: وهذا هو القولُ الثاني .
الخامس: قال ابن عطية:"ويحتمل أن يكونَ"يُقيموا"جوابَ الأمرِ الذي يعطينا معناه قولُه"قُلْ"؛ وذلك أن تجعلَ قولَه"قُلْ"في هذه الآيةِ بمعن بَلّغْ وأَدِّ الشريعةَ يُقيموا".
السادس: قال الفراء:"الأمرُ معه شرطٌ مقدَّرٌ تقول:"أَطِعِ اللهَ يُدْخِلْكَ الجنَّةَ"."
والفرقُ بين هذا وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضُمِّن فيه الأمرُ نفسُه معنى الشرط ، وفي هذا قُدر فعلُ الشرطِ بعد فعلِ الأمرِ مِنْ غيرِ تضمينٍ .