وبهذه الخاتمة يتم التعقيب على القصة الكبرى للرسالات والدعوات. وقد استغرقت الشطر الأول والأكبر من السورة المسماة باسم إبراهيم أبي الأنبياء ، والشجرة الظليلة الوارفة المثمرة خير الثمرات ، والكلمة الطيبة المتجددة في الأجيال المتعاقبة ، تحتوي دائماً على الحقيقة الكبرى.. حقيقة الرسالة الواحدة التي لا تتبدل ، وحقيقة الدعوة الواحدة التي لا تتغير ، وحقيقة التوحيد لله الواحد القهار.
والآن نقف وقفات قصيرة أمام الحقائق البارزة التي تعرضها قصة الرسل مع الجاهلية. وهي الحقائق التي أشرنا إليها إشارات سريعة في أثناء استعراض السياق القرآني ، ونرى انها تحتاج إلى وقفات أخرى أمامها مسقلة:
* إننا نقف من هذه القصة على حقيقة أولية بارزة يقصها علينا الحكيم الخبير.. إن موكب الإيمان منذ فجر التاريخ الإنساني موكب واحد موصول ، يقوده رسل الله الكرام ، داعين بحقيقة واحدة ، جاهرين بدعوة واحدة ، سائرين على منهج واحد.. كلهم يدعو إلى ألوهية واحدة ، وربوبية واحدة ، وكلهم لا يدعو مع الله أحداً ، ولا يتوكل على أحد غيره ، ولا يلجأ إلى ملجأ سواه ، ولا يعرف له سنداً إلا إياه.
وأمر الاعتقاد في الله الواحد إذن ليس كما يزعم"علماء الدين المقارن"أنه تطور وترقى من التعديد إلى التثنية إلى التوحيد ؛ ومن عبادة الطواطم والأرواح والنجوم والكواكب إلى عبادة الله الواحد ؛ وأنه تطور وترقى كذلك بتطور وترقي التجربة البشرية والعلم البشري ، وبتطور وترقي الأنظمة السياسية وانتهائها إلى الأوضاع الموحدة تحت سلطان واحد..
إن الاعتقاد في الله الواحد جاءت به الرسالات منذ فجر التاريخ ؛ ولم تتغير هذه الحقيقة ولم تتبدل في رسالة واحدة من الرسالات ؛ ولا في دين واحد من الأديان السماوية. كما يقص علينا الحكيم الخبير.