على أعدائهم فأفلحوا وأنجحوا {وخاب كل جبار عنيد} فأهلكناهم كلهم ، وكان لنا الغنى والحمد بعد إهلاكهم كما كان قبله ؛ والعناد: الامتناع من الحق مع العلم به كبراً وبغياً ، من عند عن الحق عنوداً ، والجبرية: طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصفة ، فهو ذم للعبد من حيث إنه طالب ما ليس له ؛ ثم أتبعه ما هو كدليل على خيبته من أن سيره إلى ما أمامه من العذاب ، فهو واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر ، وعبر عن غفلته عنه بقوله: {من ورائه جهنم} أي لا بد أنه يتبوأها.
ولما كان المرجع وجود السقي للصديد مطلقاً ، بني للمفعول قوله: {ويسقى} أي فيها {من ماء صديد} وهو غسالة أهل النار كقيحهم ودمائهم {يتجرعه} أي يتكلف بلعه شيئاً فشيئاً لمرارته وحرارته ، فيغص به ويلقى منه من الشدة ما لا يعلم قدره إلا الله {ولا يكاد يسيغه} ولا يقرب من إساغته ، فإن الإساغة جر الشيء في الحلق على تقبل النفس {ويأتيه الموت} أي أسبابه التي لو جاءه سبب منها في الدنيا لمات {من كل مكان} والمكان: جوهر مهيأ للاستقرار ، فهو كناية عن أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته {وما هو بميت} أي بثابت له الموت أصلاً.
لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه ، والموت: عرض يضاد الإدراك في البنية الحيوانية {ومن ورائه} أي هذا الشخص ، بعد ذلك في يوم الجزاء الذي لا بد منه ، وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله {عذاب غليظ} يأخذه في ذلك اليوم - مع ما قدمته له في الدنيا - وهو غافل عنه أخذ ما يكون من وراء ، فيكون أشد كما هو الحال الآتي بغتة ، أو يكون المعنى أن من بعد هذا العذاب في جهنم عذاباً آخر ، لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من الغلظ.