وإن كان الكل ضعيفًا كما ضعفه الإمام لكنه أشار إليه الْمُصَنّف في بعض المواضع. وقال
الإمام إنه تَعَالَى يغفر بعض ذنوبهم من غير توبة وهو ما عدا الكفر، وأما الكفر فهو أَيْضًا من
الذنوب وأنه تَعَالَى لا يغفر إلا بالتَّوْبَة انتهى. فحمل البعض عَلَى ما عدا الكفر سواء كان
من حقوق الله تَعَالَى أو المظالم.
قوله: (وقيل جيء بـ مِن في خطاب الكفرة دون الْمُؤْمنينَ) قائله الزَّمَخْشَريّ.
قوله: (في جميع الْقُرْآن تفرقة بين الخطابين في جميع الْقُرْآن) أي في أكثر الْقُرْآن
وللأكثر حكم الكل فلا نقض بقَوْلُه تَعَالَى: (قل للَّذينَ كَفَرُوا) وأجاب
بعضهم عنه بأن الْمُرَاد ما ذكر فيه ويغفر ذنوبه.
قوله:(ولعل المعنى فيه أن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على الإِيمان
وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك
فتتناول الخروج عن المظالم)لما أوهم كلام الكَشَّاف أن المظالم مغفورة من المؤمنين
بالطاعة وغير مغفورة عن الْكَافرينَ بالإيمان فلذا فرق بين الخطابين حاول الْمُصَنّف بيان
وجه التفرقة فقال: لما ترتب الْمَغْفرَة في خطاب الكفرة عَلَى الإيمان لزم فيه دخول من
التبعيضية لإخراج المظالم لأنها غير مغفورة عنده عَلَى ما اختاره هنا، وأما خطاب الْمُؤْمنينَ
فلما ترتب عَلَى الطاعة واجتناب المعاصي التي من جملتها الخروج عن المظالم لم يحتج
إلى إدخال من التبعيضية وهذا إما بناء عَلَى الأعم الأغلب أو بحمل مِن التبعيضية حيث
جاءت في خطاب الْمُؤْمنينَ عَلَى ذنب سبق، وأما ذنب تأخّر فلا يغفر، ولذا أدخل من
التبعيضية توفيقًا بين النصوص فلا نقض بمثل قَوْلُه تَعَالَى: (إني لكم نذير مبين أن اعبدوا
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وقيل جيء بـ مِن في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع الْقُرْآن قال الله تَعَالَى في
خطاب الكفرة (وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ(3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ). وقَوْلُه تَعَالَى:(يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ
وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)وقال في خطاب الْمُؤْمنينَ(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى
تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ)إلى أن قال: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) وغير ذلك مما
يقفك عليه الاستقراء في كلام الله وذلك للتفرقة بين الخطابين.
قوله: وجه التفرقة هُوَ ما قال ولعل الْمَعْنَى فيه حاصل ما ذكره أن الْمَغْفرَة حيث جاءت في
خطاب الْكُفَّار مرتبة عَلَى الإيمان لا عليه وعلى الطاعات واجتناب المعاصي، ولما كانت في حق
الْكُفَّار مرتبة عَلَى مجرد الإيمان والإيمان يجب ما قبله من الذنوب التي بين العبد وبين مولاه ولا
يجب المظالم التي بين عبد وعبد فناسب ذلك لفظة من التبعيضية لأن المغفور في حقهم عند
الإيمان بعض الذنوب، وأما الْمَغْفرَة حيث جاءت في خطاب الْمُؤْمنينَ فمقرونة بالعمل الصالح
والتجنب عن المعاصي ونحوها من الإتيان بأعمال الخير والسنن والمندوبات فيقتضي ذلك أن يغفر
جميع ذنوبهم لأن الغفران في حقهم يتناول الخروج عن المظالم؛ إذ لا يبقى للمؤمن حِينَئِذٍ ذنب قط
لا من حقوق الله تَعَالَى ولا من حقوق العباد التي منها المظالم فلذا ترك لفظة مِن في خطابهم لأن
جميع ذنوبهم مغفورة بلطف الله ومشيئته.