قوله: (إ كقولك دعوته لينصرني) أي إلَى أن ينصرني؛ إذ لا معنى دعوته لأجل النصرة
فإنه بعد ظهور المدعو إليه ولا يصلح أن يكون مدعوًا إليه هنا سوى النصرة إلا بتكلف بعيد
كأن يقال: دعوته إلَى المحاربة لينصرني ومراده الاستشهاد به عَلَى اسْتعْمَال المدعو إليه
باللام، ولا يخفى عليك أنه إنما يتم ذلك إذا كان هذا كلام من يوثق به وهذا ليس كَذَلكَ
وقد حكى الزَّمَخْشَريّ قوله من يتشهد به فقال وقال: دَعَوْتُ لِما نابَني مِسْوَرًا ... فَلَبَّى فَلَبَّيْ [يَدَيْ مِسْوَرَا] .
قوله: (عَلَى إقامة الْمَفْعُول له مقام الْمَفْعُول به) . قال صاحب الكَشَّاف فعلى الأول
المدعو إليه هُوَ الإيمان بقرينة إنا كفرنا، وعلى الثاني المدعو إليه هُوَ المغفرة لا لأن اللام
بمعنى إلَى بل لأن معنى الاخْتصَاص ومعنى الانتهاء كلاهما واقعان في حاق المَوْضع وكأنه
قيل يدعوكم إلَى الْمَغْفرَة لأجلها لا لغرض آخر وحَقيقَة الأغراض غايات مقصودة تفيد
معنى الانتهاء وزيادة هي كونها مقصودة انتهى. قال الْمُصَنّف في سورة يونس (ويَهْدي)
كما يعدى بـ إلى لتضمنه معنى الانتهاء بعدى باللام للدلالة عَلَى أن المنتهى
غاية الهداية انتهى. فعلم أن الغاية والانتهاء كلامهما واقعان في حاق [المَوْقع] فلا معنى لجعل
اللام بمعنى إلَى لما عرفت أن المنتهى غاية الشيء ويصح أن يعامل الانتهاء معاملة الغاية
وإلى هذا التَّفْصيل أشار بقوله عَلَى إقامة الْمَفْعُول له مقام الْمَفْعُول به الذي يعدى بـ إلى.
قوله: (بعض ذنوبكم وهو ما بينكم وبينه تعالى، فإن الإسلام يجبه دون المظالم) أي
كلمة من للتبعيض لا للابتداء وليست زائدة وهو ما بينكم وبينه الخ. قال في أوائل سورة
نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ بعض ذنوبكم وهو ما سبق فإن الْإسْلَام يجبه فلا يؤاخذكم به في الْآخرَة
وقال المولى السعدي يعني أن المغفور هُوَ ما سبق لا ما تأخّر فإنه يؤاخذ انتهى. وظاهره أن
بعض المغفور له هُوَ ما سبق عَلَى الْإسْلَام سواء كان من حقوق الله أو المظالم فبينَ كَلَامَيه
منافرة ظاهرة. فلعله أشار في الموضعين إلَى الْقَوْلين فإن المنفهم من كلام البعض مغفرة
جميع الذنوب بسَبَب الْإسْلَام فمن إما زائدة كما قاله أبو عبيدة وإن أنكره سيبَوَيْه، أو بدل
كما اختاره الواحدي في البسيط أو تَخْصيص هذا الغفران بالكبائر عَلَى ما قاله الأصم وهذا
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: كقولك: دعوته لينصرني. الْمَعْنَى دعوته للنصرة لينصرني حذف الْمَفْعُول به الصريح وهو
إلى المغفرة وأقيم المعمول له وهو (ليغفر لكم) مقامه.
قوله: ينافي هذا التقدير جعل المدعو إليه الإيمان حيث قال في تفسير يدعوكم يدعوكم إلَى
الإيمان.
قوله: بعض ذنوبكم معنى البعضية مُسْتَفَاد من كلمة من التبعيضية.
قوله: فإن الْإسْلَام يجبه. أي فإن الْإسْلَام يقطع ما بين العبد وبين المولى من الذنوب دون
المظالم التي تقع بين عبد وعبد فإن مغفرة ذلك مشروط بالأداء وبالاستحلال. قال بعضهم: إن مِن
في (مِن ذنوبكم) مزيدة عَلَى ما هُوَ قول الأخفش فإنه يرى زيادة مِن في الْإثْبَات يفيد الاسْتغْرَاق في
غفران الذنوب.