لئن كنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامةً... ورُقِّيتَ أَسبابَ السماءِ بسُلَّمِ
لَيَسْتَدْرِجَنْكَ الأَمرُ حتى تَهُرَّه... وتَعْلَمَ أَني لستُ عنكَ بمُحْرِمِ
فإنما بالغ في الوصف وهو يعلم أنه لا يُرَقَّى أسباب السماء، ولا يَكُونُ
في جُبٍّ ثمانينَ قامةً فيستَدْرِجَهُ القَوْلُ.
فالمعنى على هذا: لو أزال مكرهم الجبَالَ لما زال أمْرُ الإسلام وما أتى
به النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(47)
وقُرئت مخلص وَعْدَه رُسُلِهُ، وهذه القراءة التي بَنَصْب الوَعْدِ وخَفْض
الرسُل شاذَّة رديئة، لا يجوز أن يفرق بين المضَافَ والمضاف إليه.
وأنشدوا في مثل هذا.
فزجَّجتها بمزجَّةٍ... زَجَّ القَلُوصَ أبي مَزَاده
المعنى فزجْجتها بمزجَّةٍ زَجَّ أبي مزادة القَلُوص.
والقراءة: (مُخْلِفَ وَعْدِه رُسُلَه) ، كما تقول: هذا مُعْطِي دِرْهَمٍ زيداً
(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(48)
إنْ شئت نَصَبْتَ اليوم عَلَى النَعْت لقوله: يَوْمَ يَقومُ الحسَابُ يَوْمَ تبدل
الأرْضُ.
وإن شئت أن يكون منصوباً بقوله ذُو انْتِقَام، المعنى أن الله عزَّ وجل
ذو انتقام أي بَيَنهُمْ يوم تبدل الأرض غير الأرض، والأرض مرفوعة على اسم ما لم يسمَّ فاعله، وغَير منصوبة على مفعول ها لم يسم فاعله، تقول: بُدِّلَ الخاتَمُ خاتَماً آخَر إذا كسر وَصِيغَ صيغة أخرى، وقد تقول بُدِّلَ زَيْدٌ إذا تغيرت حاله، فمعنى تبدل الأرض غير الأرض تسيير جبالها وتفجير بحارها وكونها مستوية لا يرى فيها عِوَجٌ وَلاَ أمْت، فهذا - والله أعلم - تبديلها.
(والسَّمَاوَاتُ) .
"أي وتبدل السَّمَاوَاتُ غير السَّمَاوَات، وتبديل السَّمَاوَات انتثار كواكبها"