نَعُ رَحْلَهُ فامنع حِلاَلَكَ
لاَ يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُم وَمِحَا ...
لُهُمْ عَدْواً مِحَالك
قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الحق}
أي لله دعوة الصدق.
قال ابن عباس وقَتَادة وغيرهما: لا إله إلا الله.
وقال الحسن: إن الله هو الحق ، فدعاؤه دعوة الحق.
وقيل: إن الإخلاص في الدعاء هو دعوة الحق ؛ قاله بعض المتأخرين.
وقيل: دعوة الحق دعاؤه عند الخوف ؛ فإنه لا يدعى فيه إلا إياه ، كما قال: {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] ؛ قال الْمَاوَرْدِيّ: وهو أشبه بسياق الآية ؛ لأنه قال: {والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأصنام والأوثان.
{لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} أي لا يستجيبون لهم دعاء ، ولا يسمعون لهم نداء.
{إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} ضرب الله عز وجل الماء مثلاً ليأسهم من الإجابة لدعائهم ؛ لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مَثَلا بالقابض الماء باليد ؛ قال:
فأصبحتُ فيما كان بَيْني وبينها ...
من الودّ مثلَ القابِض الماء باليدِ
وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذي يدعو إلهاً من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فِيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه ، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبداً ، لأن الماء لا يستجيب ، وما الماء ببالغ إليه ؛ قاله مجاهد.
الثاني: أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفّه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، لكذب ظنه ، وفساد توهمه ؛ قاله ابن عباس.
الثالث: أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يجمد في كفه شيء منه.
وزعم الفراء أن المراد بالماء هاهنا البئر ؛ لأنها معدن للماء ، وأن المثل كمن مدّ يده إلى البئر بغير رِشاء ؛ وشاهده قول الشاعر:
فإن الماءَ ماءُ أَبِي وجَدّي ...
وبِئري ذُو حَفَرْتُ وذُو طَوَيْتُ