ثم قال تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ المحال} وفي لفظ المحال أقوال: قال ابن قتيبة: الميم زائدة وهو من الحول ، ونحوه ميم مكان ، وقال الأزهري: هذا غلط ، فإن الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية ، نحو مهاد ومداس ومداد ، واختلفوا مم أخذ على وجوه: الأول: قيل من قولهم محل فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك ، وتمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه ، فكان المعنى: أنه سبحانه شديد المكر لأعدائه يهلكهم بطريق لا يتوقعونه.
الثاني: أن المحال عبارة عن الشدة ، ومنه تسمى السنة الصعبة سنة المحل وما حلت فلاناً محالاً.
أي قاومته أينا أشد ، قال أبو مسلم: ومحال فعال من المحل وهو الشدة ولفظ فعال يقع على المجازاة والمقابلة ، فكأن المعنى: أنه تعالى شديد المغالبة ، وللمفسرين ههنا عبارات فقال مجاهد وقتادة: شديد القوة ، وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة ، وقال الحسن: شديد النقمة ، وقال ابن عباس: شديد الحول.
الثالث: قال ابن عرفة: يقال ماحل عن أمره أي جادل ، فقوله: {شَدِيدُ المحال} أي شديد الجدال.
الرابع: روي عن بعضهم: {شَدِيدُ المحال} أي شديد الحقد.
قالوا: هذا لا يصح ، لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى ، إلا أنا قد ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ إذا وردت في حق الله تعالى فإنها تحصل على نهايات الأعراض لا على مبادئ الأعراض ، فالمراد بالحقد ههنا هو أنه تعالى يريد إيصال الشر إليه مع أنه يخفي عنه تلك الإرادة.
{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) }
اعلم أن قوله: {لَهُ دَعْوَةُ الحق} أي لله دعوة الحق ، وفيه بحثان: