واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جداً وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب ، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر ، والحكماء بالغوا في وصف قوتها ، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب ، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإنها أقوى نيران هذا العالم ، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال: {وَهُمْ يجادلون فِى الله} والمراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله: {يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى} [الرعد: 8] وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات.
ثم قال: {وَهُمْ يجادلون فِى الله} يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله وهو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد.
وثانيها: أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر والنشر.
وثالثها: أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات.
ورابعها: أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال.
وفي هذه الواو قولان: الأول: أنه للحال ، والمعنى: فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في الله ، وذلك أن أربد لما جادل في الله أحرقته الصاعقة.
والثاني: أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك: {وَهُمْ يجادلون فِى الله} .