وكذلك القول: كيف تكفرون بالله؟ لأن الكفر شيء لا يتأتى من عاقل . وكان لنا شيخ هو فضيلة العالم أحمد الطويل ؛ وكان يحدثنا عن شيخ له حين كان يقرأ قول الحق سبحانه: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ...} [البقرة: 28]
كان يقول: إن الخطاب هنا عام لكل إنسان ؛ لأن الحق بعدها يأتي بالقضية العامة:
{وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ...} [البقرة: 28]
وهذا القول للعموم . وكان شيخنا يحكي عن شيخه أنه حدَّثهم أن إنساناً كان مُسرِفاً على نفسه ؛ ثم انصبَّتْ عليه الهداية مرة واحدة ؛ ورآه كل مَنْ حوله وهو مُقْبِل على الله ؛ فسألوه عن سبب الهداية ، فقال:
كنت أجلس في بستان ، ثم رَاقَ لي عنقود من العنب ؛ فقطفتُ العنقود ، وأخذتُ أتأمل فيه ؛ فوجدت غِشاءً رقيقاً شفافاً وهو قشرة حبة العنب يشِفُّ عما تحته من لحم العنبة الممتلئ بالعصير .
وحين وضعتُ حبة العنب في فمي ؛ صارت ماء رطباً ، وأخذني العجب من احتفاظ حبة العنب ببرودتها ورطوبتها رغم حرارة جَوِّ شهر بؤونة ؛ ثم وجدت بذرة الحبة ولها طَعْم المِسْك ؛ فلما غمرني السرور من طَعْم وجمال العنب سمعت هاتفاً يهتف بي:"كيف تكفر بالله وهو خالق العنب؟"فهتفت: آن يا رب أن أُومن بك .
وكل مِنَّا له أن ينظر إلى شيء يعجبه ؛ وسيجد الشيء كأنه يقول له: كيف تكفر بالله وهو خالقي؟ وهكذا سنجد كل إنسان وهو مُخاطب بهذه العبارة ، لأنه ما من كائن إلا وله شيء يعجبه في الكون .
وهكذا نفهم معنى قول الحق سبحانه: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل ...} [الرعد: 4]
ونجد أي شيء هو فاضل في وقت الحاجة إليه وطلبه ؛ وكل شيء مَفْضُول عليه في وقت ما ؛ وإنْ كان فاضلاً عند مَنْ يحتاجه . ونجد أن التفضيل هنا عند الأَكْل .