ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل الماء العذب هو الأعلى ؛ لأن له مهمة يُؤدِّيها قبل أن يصُبَّ في البحر . أقول ذلك حتى نعلم الحكمة في قول الحق سبحانه: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 20]
ومن العجيب أن البرزخ الذي يفصل بين النهر والبحر يكون انسيابياً ، يتدرج نزول مياه النهر في مياه البحر بما يُحقِّق سهولة في هذا الانتقال ، ومن العجيب أيضاً أنك إنْ حفرتَ عند شاطئ البحر قد تعثر على الماء العذب .
ولذلك حين نزور العريش نجد شاطئاً باسم شاطئ النخيل ؛ ونحن نعلم أن النخيل يحتاج إلى الماء العَذْب ، وكأن الحق سبحانه قد جعل في هذا النخيل خاصية استخلاص الماء العَذْب من هذا المكان الذي يوجد على البحر ؛ وقد تكون له جداول عذبة .
فسبحانه القائل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض ...} [الزمر: 21]
ونحن في الريف نجد من يحفر بئراً ويكون ماؤه عَذْباً ؛ وآخر يحفر بئراً ويكون ماؤه مالحاً . وهذا دليل على أن الماء في بطن الأرض غير مختلط ، بل لكل ماء مسارب تختلف باختلاف نوعية المياه .
ويُرتِّب الحق سبحانه في نفس الآية مجيء الثمرات كنتيجة على وجود الثابت الجبال كمصدر للغِرْيَن وخصوبة الأرض ، وعلى وجود الأنهار التي تحمل الماء اللازم للري ، وهكذا يكون مجيء الثمرات أمراً طبيعياً .
والثمرة كما نعلم هي الغاية من أي زرع .
وفي نفس الآية يواصل الحق ذكر عطائه ، فيقول سبحانه: {وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ...} [الرعد: 3]