وبذلك قَبِل الإنسان أداء الأمانة وَقْتَ أدائها ؛ لا وَقْتَ تحمُّلها ، ووقت الأداء غير وقت التحمُّل ، وضربتُ المَثَل بمَنْ يقول لصديقه"عندي ألف جنيه ؛ وأخاف أنْ يضيعوا مِنِّي ؛ فاحفظهم لي معك ؛ وحين أحتاجهم اعْطِهمْ لي".
ويقول الصديق:"هَاتِ النقود وسأُعطِيها لك وقت أنْ تطلبها".
والصديق صادقٌ وقت تحمُّل الأمانة ؛ لكن ظروفاً تمرُّ عليه ، فيتصرَّف في هذه الأمانة ؛ وحين يطلبها صاحبها ؛ قد يعجز حامل الأمانة عن رَدِّها ، وهو بذلك ضَمِنَ نفسه وقت التحمُّل ؛ لكنه لم يضمن نفسه وقت الأداء .
وكان من الواجب عليه أن يقول لصديقه لحظةَ أنْ طلب منه ذلك:"أرجوك ، ابتعد عنِّي لأنِّي لا أضمن نفسي وَقْت الأداء".
وقد أَبَتِ السماء والأرض والجبال تحمُّل الأمانة وَقْت عَرْضِها ؛ وقَبِلتْ كل منهم التسخير ؛ فلا الجبال ولا السماوات ولا الأرض لها قدرة الاختيار ، ولا هَوى لأيٍّ منها في هذه القدرة ؛ مثلها في ذلك مثل كل أجناس الكون ما عدا الإنسان ؛ ولم نجد فساداً في الأرض قد نشأ من ناحية المُسخَّرات .
أما الإنسان فقد قَبِل تحمُّل الأمانة ؛ لأن له عقلاً يُفكِّر ويختار ؛ ومن الاختيار ونتيجة للهوى جاء الفساد في الكون ، ولو أقبل الإنسان على العمل وكأنه مُسخَّر خاضع لمنهج الله ؛ لاستقام عمل الإنسان مِثْلما يستقيم عَمَلُ كل الكائنات المُسخَّرة بأمر الله .
فإن أردتم أن تستقيمَ أموركم فيما لكم فيه اختيار ، فطبِّقوا قول الحق سبحانه: {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان *وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان} [الرحمن: 8 - 9]
وانظروا ماذا يطلب الحق منكم في منهجه ، فإنْ نفَّذتم المنهج تَسْتقِمْ أموركم ، كما استقامتْ الكائنات المُسخَّرة .