ولا يأتي الخَلَل إلا من أننا نحن البشر نقوم ببعض الأعمال باختيارنا ، وتكون مخالفة لمنهج المُشرِّع ، أما إذا كنا نؤدي أعمالنا ونضع نُصْب أعيننا قول الحق سبحانه: {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان} [الرحمن: 8]
فلسوف تكون أعمالنا مُطابِقة لمنهج الله ، وسنجد في أعمالنا ما يَسرُّنا مثل سرورنا حين نجد الأفلاك منتظمة بدقة وحساب .
إذن: فالفساد لا يأتي إلا من الاختيار غير المُرْتجي لمنهج مَنْ خلق فينا الاختيار ، وإن كنت تريد أن تكون مختاراً ؛ فعليك أن تلتزم بمنهج مَنْ خيَّرك .
ولذلك نجد الصالحين من خَلْق الله قد ساروا على منهج ربهم ؛ والتزموا باختيار مراد ربهم فيما لهم فيه اختيار ؛ فصاروا وكأنهم مُسخَّرون لمُرَادات الله .
وهؤلاء يسمُّونهم"العباد"لا"العبيد"؛ فكل مملوك لله من العبيد ؛ آمن به أو كفر ؛ أطاع أو عصى ؛ أما العباد فَهُمْ مَنْ جعلوا مرادات الله هي اختيارهم ، يقول تعالى: {وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان: 63]
هؤلاء هم مَنِ اتجهوا بالاختيار إلى ما يختاره لهم الله .
ونجد الحق سبحانه يقول في الملائكة: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26 - 27]
وإذا ما التزم العبد بمنهج ربه في حال الاختيار ؛ فهو لا يتساوى مع الملائكة فقط ، بل قد يسمو عنهم ؛ لأنهم مَقْهورون بالتسخير ؛ بينما تتمتع أنت بالاختيار ؛ وآثرْتَ منهج ربك .
ويقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يجري إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ...} [لقمان: 29]
ولحظةَ تجد التنوين مثل"كلٌّ"فهذه يعني كُلاّ من السابق . أي: الشمس والقمر . أما الجَرْي إلى أَجَلٍ مُسمّى ؛ فيقتضي مِنَّا أن نفهم معنى الجَرْي ؛ وهو تقليل الزمن عن المسافة .