{والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} أي الكتابَ المذكور بكماله لا هذه السورةُ وحدها {الحق} الثابتُ المطابق للواقع في كل ما نطق به ، الحقيقُ بأن يُخَصّ به الحقّيةُ لعراقته فيها ، وليس فيه ما يدل على أن ما عداه ليس بحق أصلاً على أن حقّيتَه مستتبِعةٌ لحقية سائرِ الكتبِ السماوية لكونه مصدّقاً لما بين يديه ومهيمِناً عليه ، وفي التعبير عنه بالموصول وإسنادِ الإنزال إليه بصيغة المبنيِّ للمفعول والتعرّضِ لوصف الربوبية مضافاً إلى ضميره عليه السلام من الدلالة على فخامة المنزَّل التابعةِ لجلالة شأنِ المنزَّل وتشريفِ المنزَّل إليه والإيماءِ إلى وجه بناءِ الخبر ما لا يخفى {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} بذلك الحقِّ المبين ، لإخلالهم بالنظر والتأملِ فيه ، فعدمُ إيمانهم متعلقٌ بعنوان حقّيتِه لأنه المرجِعُ للتصديق والتكذيب لا بعنوان كونِه منزلاً كما قيل ولأنه واردٌ على طريقة الوصفِ دون الإخبار.
{الله الذي رَفَعَ السماوات} أي خلقهن مرتفعاتٍ على طريقة قولِهم: سبحان من كبّر الفيل وصغّر البعوض ، لا أنه رفعها بعد أن لم تكن كذلك ، والجملةُ مبتدأ وخبرٌ كقوله: {وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض} {بِغَيْرِ عَمَدٍ} أي بغير دعائمَ جمع عِماد كإهاب وأَهَب وهو ما يُعمَد به أي يُسند ، يقال: عمَدتُ الحائطَ أي أدعمته ، وقرئ عُمُد على جمع عَمود بمعنى عماد كرُسُل ورسول ، وإيرادُ صيغةِ الجمع لجمع السماوات ، لا لأن المنفيَّ عن كل واحدة منها عَمدٌ لا عماد {تَرَوْنَهَا} استئنافٌ استُشهد به على ما ذكر من رفع السماوات بغير عمد ، وقيل: صفة لعَمَدٍ جيء بها إيهاماً لأن لها عمداً غيرَ مرئيةٍ هي قدرة الله تعالى.