{ثُمَّ استوى} أي استولى {عَلَى العرش} بالحفظ والتدبير أو استوى أمرُه وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفةٌ لله عز وجل بلا كيف ، وأياً ما كان فليس المرادُ به القصدَ إلى إيجاد العرش وخلقِه فلا حاجة إلى جعل كلمة ثم للتراخي في الرتبة {وَسَخَّرَ الشمس والقمر} ذللهما وجعلهما طائعَين لما أريد منهما من الحركات وغيرها {كُلٌّ} من الشمس والقمر {يَجْرِى} حسبما أريد منها {لأجَلٍ مُّسَمًّى} لمدة معينةٍ فيها تتم دورتُه كالسنة للشمس والشهر للقمر ، فإن كلاًّ منهما يجري كلَّ يوم على مدار معينٍ من المدارات اليوميةِ أو لمدة ينتهي فيها حركاتُهما ويخرج جميعُ ما أريد منهما من القوة إلى الفعل ، أو لغاية يتم عندها ذلك والجملةُ بيانٌ لحكم تسخيرهما.
{يُدَبّرُ} بما صنع من الرَّفْع والاستواء والتسخير أي يقضي ويقدّر حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة {الأمر} أمرَ الخلق كلَّه وأمرَ ملكوتِه وربوبيتِه {يُفَصّلُ الآيات} الدالةَ على كمال قدرتِه وبالغِ حكمتِه أي يأتي بها مفصلةً وهي ما ذكر من الأفعال العجيبةِ وما يتلوها من الأوضاع الفلكيةِ الحادثةِ شيئاً فشيئاً المستتبعةِ للآثار الغريبة في السُّفليات على موجب التدبيرِ والتقديرِ ، فالجملتان إما حالان من ضمير استوى وقوله: {وَسَخَّرَ الشمس والقمر} من تتمة الاستواءِ وإما مفسّرتان له أو الأولى حالٌ منه والثانية من الضمير فيه أو كلاهما من ضمائر الأفعالِ المذكورة وقوله: {كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى} من تتمة التسخيرِ أو خبران عن قوله: الله خبراً بعد خبر ، والموصولُ صفةٌ للمبتدأ جيء به للدلالة على تحقيق الخبرِ وتعظيمِ شأنِه كما في قول الفرزدق
إن الذي سمك السماءَ بنى لنا... بيتاً دعائمُه أعزُّ وأطول