وهذا القول فاسد، فإن في أقسام النعم التي قسمها نقصا لا بد منه، وزيادة لا حاجة إليها، فأما النقص فإغفال النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله بعد المستقبلة:"ونعمة تأتي غير محتسبة"؛ لأن النعمة التي تأتي غير محتسبة داخلة في قسم النعمة المستقبلة, وذاك أن النعمة المستقبلة تنقس قسمين: أحدهما يرجى حصوله، والآخر لا يحتسب، فقوله:"ونعمة تأتي غير محتسبة"، يوهم أن هذا القسم غير المستقبل، وهو داخل فيه.
وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول: النعم ثلاث: نعمة ماضية، ونعمة في حال كونها، ونعمة تأتي مستقبلة، فأحسن الله آثار النعمة الماضية، وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها، ووفر حظك من النعمة التي تستقبلها.
ألا تراه لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب؟
وقد استوفى أبو تمام هذا المعنى في قوله:
جمعت لنا فرق الأماني منكم ... بأبر من روح الحياة وأوصل
فصنيعة في يومها وصنيعة قد ... أحولت وصنيعة لم تحول
كالمزن من ماء الرباب ... فمقبل متنظر ومخيم متهلل
ووقف أعرابي على مجلس الحسن البصري رضي الله عنه فقال:"رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلة"، فقال الحسن البصري: ما ترك لأحد عذرا. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...