ونلحظ أن كل عذاب إنما يحدد له الحق سبحانه موعداً هو الصبح ، مثل قوله تعالى:
{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ} [هود: 81] .
ومثل قوله الحق:
{فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين} [الصافات: 177] .
والصبح هو وقت الهجمة على الغافل الذي لم يغادره النوم بعد ، مثل زُوَّار الفجر الذين يقبضون على الناس قبيل النهار .
ويقول الحق سبحانه:
{فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94] .
ولم يقل سبحانه:"فأصبحوا في دارهم جاثمين"؛ لأن بعضهم قد لا يكون في بيته ، بل في مكان آخر لزيارة أو تجارة .
ومثال ذلك: قصة أبي رغال ، وكان في مكة ، لكن الحجر الذي قتله بإرادة الله سبحانه نزل عليه في البقاع ولم ينزل عليه الحجر في مكة ؛ لأن الله سبحانه قد شاء ألا ينزل عليه الحجر في البيت الحرام ، الآمن ، وكأن الحجر قد تتَّبعه ، مثلما تتبعت الصيحة الكفار من أهل مدين .
ونلحظ في الكلمة الأخيرة من هذه الآية الكريمة وهي"جاثمين"أن حرفي"الجيم"و"الثاء"حين يجتمعان معاً بصرف النظر عن الحرف الثالث ، ففيهما شيء من الهلاك ، وشيء من الغنائية . ومعنى"جاثمين"أي: مُلقَون على بطونهم بلا حراك .
والحق سبحانه يقول:
{وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} [الجاثية: 28] .
أي: يركع كل مَنْ فيها على ركبتيه . ويقال عن الميت:"الجثة".
وانظروا إلى عظمة الحق سبحانه حين يجعل الناس تنطق لفظ"الجثة"تعبيراً عن أي"ميت"عظيماً كان أم وضيعاً ، ثم توضع جثته في القبر ، لتحتضنه أمه الأولى ؛ الأرض .
ومن يرغب في تهدئة إنسان ملتاع وغاضب لموت عزيز عليه ، فَلْيقُلْ له: هل تتحمل جثمانه أسبوعاً؟ وسوف يجيب:"لا".
إذن: فبمجرد أن ينزع الله سبحانه السر الذي به كان الإنسان إنساناً ، وهو الروح ، يصبح الإنسان جثة ثم يتخشب ، ثم يَرِمُّ .