{إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبّى وَرَبّكُمْ} وفيه تعليل لنفي ضرهم بطريق برهاني يعني أنكم وإن لم تبقوا في القوس منزعاً وبذلتم في مضادتي مجهودكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكل على الله تعالى واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يصدر عنكم شيء ولا يصيبني أمر إلا بإرادته ، وجئ بلفظ الماضي لأنه أدل على الإنشاء المناسب للمقام ، ثم إنه عليه السلام برهن على عدم قدرتهم على ضره مع توكله عليه سبحانه بقوله: {مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} أي إلا هو مالك لها قادر عليها يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه سبحانه ، والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها ، واستعمال الأخذ بالناصية في القدرة والتسلط مجاز أو كناية ، وفي"البحر"أنه صار عرفاً في القدرة على الحيوان ، وكانت العرب تجز الأسير الممنون عليه علامة على أنه قد قدر عليه وقبض على ناصيته ، وقوله: {إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ} مندرج في البرهان وهو تمثيل واستعارة لأنه تعالى مطلع على أمور العباد مجاز لهم بالثواب والعقاب كاف لمن اعتصم به كمن وقف على الجادة فحفظها ودفع ضرر السابلة بها ، وهو كقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد} [الفجر: 14] ، وقيل: معناه إن مصيركم إليه تعالى للجزاء وفصل القضاء ، ولعل الأول أولى ، وفي"الكشف"إن في قوله: {إِنّى تَوَكَّلْتُ} الآية من اللطائف ما يبهرك تأمله من حسن التعليل ، وما يعطيه أن من توكل عليه لم يبال بهول ما ناله ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله: {رَبّى وَرَبَّكُمْ} فكيف يصاف من لزم سدّة العبودية وينجو من تولى مع ما يعطيه من وجوب التوكل عليه سبحانه إذا كان كذلك وترشيخه بقوله: {مَّا مِن دَابَّةٍ} إلى تمام التمثيل فإنه في الاقتدار على المعرض أظهر منه في الرأفة على المقبل خلاف الصفة الأولى ، وما فيه من تصوير ربوبيته واقتداره تعالى