وبعد، فهذه قصة نوح - عليه السلام - كما وردت في هذه السورة الكريمة، ومن العبر والعظات والهدايات والحقائق التي نأخذها منها ما يأتى:
1 -الدلالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، فقد أخبرنا عن قصة نوح - عليه السلام - مع قومه، وعن غيرها من القصص، التي هي من أنباء الغيب، والتي لا يعلم حقيقتها وتفاصيلها أحد سوى الله - عز وجل - .
2 -أن نوحا - عليه السلام - قد سلك في دعوته إلى الله - تعالى - أحسن الأساليب وأحكمها، فقد دعا قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده في الليل وفي النهار. وفي السر وفي العلانية، وأقام لهم ألوانا من الأدلة على صدقه، ورغبهم في الإيمان بشتى ألوان الترغيب، وحذرهم من الكفر بشتى أنواع التحذير، وصبر على أذاهم صبرا جميلا، ورد على سفاهاتهم
وأقوالهم بمنطق سليم، أبطل به حججهم .. مما جعلهم يكفون عن مناقشته، ويلجئون إلى التحدي والتعنت.
وما أحوج الدعاة إلى الله - عز وجل - إلى التماس العبرة والعظة من قصة نوح مع قومه.
3 -أن النسب مهما شرف وعظم لن ينفع صاحبه عند الله، إلا إذا كان معه الإيمان والعمل الصالح، وأن الإيمان والصلاح ليسا مرتبطين بالوراثة والأنساب لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت ذرية نوح ومن معه من المؤمنين الذين نجوا معه في السفينة. كلها من المؤمنين الصالحين، مع أن المشاهد غير ذلك.
ورحم الله الإمام القرطبي فقد قال - ما ملخصه - عند تفسيره لقوله - تعالى - قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ..: «وفي هذه الآية تسلية للآباء في فساد أبنائهم وإن كان الآباء صالحين» ، فقد روى أن ابنا لمالك بن أنس ارتكب أمرا لا يليق بمسلم، فعلم بذلك مالك فقال: «الأدب أدب الله، لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله، لا خير الآباء والأمهات .. » .
4 -أن سؤال نوح - عليه السلام - ما سأله لابنه لم يكن - كما قال صاحب المنار معصية لله - تعالى - خالف فيها أمره أو نهيه، وإنما كان خطأ في اجتهاد رأى بنية صالحة.