وإنما عدها الله - تعالى - ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه، هبطت بضعفه البشرى، وما غرس في الفطرة من الرحمة والرأفة بالأولاد إلى اتباع الظن، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء، فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياهم آنا بعد آن، بما يصعدون به في معارج العرفان».
5 -إن القرآن في إيراده للقصص والأخبار، لا يهتم إلا بإبراز النافع المفيد منها، أما ما عدا ذلك مما لا فائدة من ذكره، فيهمل القرآن الحديث عنه.
فمثلا في قصة نوح - عليه السلام - هنا، لم يتعرض القرآن لبيان المدة التي قضاها نوح في صنع السفينة. ولا لبيان طول السفينة وعرضها وارتفاعها، ولا لتفاصيل الأنواع التي حملها معه في السفينة، ولا لبيان الفترة التي عاشها نوح ومن معه فيها.
ولا لبيان المكان الذي هبط فيه نوح بعد أن استوت السفينة على الجودي .. ولا لبيان
الزمان الذي استغرقه الطوفان فوق الأرض.
وما ورد في ذلك من أقوال وأخبار، أكثرها من الإسرائيليات التي لا يؤيدها دليل من الشرع أو العقل.
ومن المسائل التي تكلم عنها كثير من العلماء، وذهبوا بشأنها مذاهب شتى مسألة الطوفان.
وقد أصدر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - فتوى في هذا الشأن، ملخصها كما يقول صاحب المنار: أن ظواهر القرآن والأحاديث أن الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم فيجب اعتقاده، ولكنه لا يقتضى أن يكون عاما للأرض، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملؤون الأرض.
وهذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن، ولذلك لم يبينها بنص قطعى، فنحن نقول بما تقدم إنه ظاهر النصوص، ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية، فإن أثبت العلم خلافه لا يضرنا، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا).
6 -أن سنة الله - تعالى - في خلقه لا تتخلف ولا تتبدل وهي أن العاقبة للمتقين، مهما طال الصراع بين الحق والباطل، وبين الأخيار والأشرار.