{وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} :
إذا قلت: بعدا لفلان، فأَنت تدعو عليه، فهو خاص بدعاءِ السوءِ، وكثيرا ما يستعار للدعاءِ بالهلاك كما هنا.
والمعنى: وقيل من جهة الله تعالى: هلاكا لقوم نوح لكونهم ظالمين أَشد الظلم.
ويقول العلامة البيضاوى، في وصف بلاغة الآية وفصاحتها ما يلي:
"والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإِيجاز الخالى عن الإِخلال، وفي إيراد الإِخبار على البناءِ للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل وأَنه متعين في نفسه، مستغنٍ عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره، للعلم بأَن مثل هذه الأَفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار". انتهى.
وقال الألوسي: هذه الآية بلغت من مراتب الإِعجاز أَقاصيها، وجمعت من المحاسن ما يضيق عنه نطاق البيان، إلى آخر ما قال.
هل شمل الطوفان جميع الأَرض
إذا قرأَنا قصة الطوفان في سور القرآن التي تحدثت عنه، نجد فيها أن الله تعالى جعله عقوبة لقوم نوح لغلوهم في الكفر، وإصرارهم عليه أحقابا ودهورا، وقوم نوح كانوا في إقليم من أقاليم الأَرض يعلمه الله، ولم يكونوا منتشرين في أرجائها كلها، فهل يبعثنا هذا على القول بأَن الطوفان لم يعم الأرض جميعا، بل كان قاصرًا على المنطقة التي كان يوجد فيها قوم نوح لعقابهم، وهل يشهد لصحة هذا الاستنتاج أَن الله تعالى قال هنا في آخر القصة: {وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} . كما يشهد له أن نوحا كان قريبا
من جدّه لآدم - عليهما السلام - فالبشرية في عهده كانت محصورة في حيِّزٍ ضيق من الأَرض أم أَن الطوفان مع كونه عقوبة لقوم نوح، فإنه كان لجميع أَنحاء الأَرض لحِكَمٍ يخص بعلمها الحكيم الخبير، ولم نجد لهذا السؤال جوابا حاسما يحمل على اعتقاد عمومه أَو خصوصه يقينا، والذي يجب اعتقاده هو عموم الطوفان للكافرين لقوله تعالى: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} . وقوله: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} .