ثم أكد عدم طردهم بقوله: {ويا قوم من ينصرني من الله} من يمنعني من عقابه {إن طردتهم} لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية. سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نهي عنه بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} ؟ الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر. احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه. وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو. ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة. {ولا أعلم الغيب} حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر {ولا أقول إني ملك} أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في"الأنعام"سائر ما يتعلق بالآية. ومعنى {تزدري} تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه. وفي قوله تعالى {الله أعلم بما في أنفسهم} دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق {إني إذا} أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي. أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم. ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر. لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف. وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء. ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ