(وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42)
ركب نوح وما معه وأهله، ومن معه ممن آمن واتبعه، ومن بعد ركوبهم كان الغرق بالماء الذي جاءهم من حيث لَا يحسبون، جاءهم الماء من السماء والأرض، جاءهم من السماء فانهمر المطر، وجاء منِ عيون الأرض كما ذكر سبحانه في سورة القمر: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ(11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) .
وهكذا نجد مجموع آيات القرآن الكريم فيها القصة كاملة، لكن كل جزء ذكر في موضع عبرته، ولا تكاد نجد تكرارًا، إنه كلام العزيز الحميد الذي أحاط بكل شيء علما.
(بِسئم اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) أي بسم الله تعالى من وقت جريها إلى وقت رسوها، وهناك قراءة (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رحِيِمٌ) يغفر الذنوب لعباده المؤمنين برحمته، ثم وصف حال الفلك فقال تعالى:
(وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي
مَوْجٍ كَالْجِبَالِ (42)
أي إن الماء ارتفع وكثر حتى علا موجه واصطفق، وشبه الموج بالجبال لارتفاعه وصعوبة اختراقه.
وهنا تحركت عاطفة الأبوة الفطرية في نفس نوح، والفطرة السليمة تتحرك فيها العواطف الإنسانية، فنادى على ابنه خشية الغرق، وقد عزل نفسه عن أبيه الداعي إلى الحق وهذا معنى (فِي معْزِلٍ) أي مكان معزول عن أبيه لكفره، أو عن القوم فرارا بنفسه ولكن لَا فرار من قضاء اللَّه المحتوم، فقال مغرورا مخدوعا غير مقدر أن العذاب نازل لَا محالة.
(قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ(43)